وفي الكلمة الخامسة: ﴿ اَخ۪يهِ ﴾ تخاطب بالهمزة: أليس بكم رأفةٌ ببني جنسكم، أليس لكم صلةُ رحم تربطكم معهم، حتى أصبحتم تفتكون بمن هو أخيكم من عدة جهات، وتنهشون شخصه المعنوي المظلوم نهشاً قاسياً، أيملك عقلاً من يعضّ عضواً من جسمه؟ أوَ ليس هو بمجنون؟.
وفي الكلمة السادسة: ﴿ مَيْتًا ﴾ تخاطب بالهمزة: أين وجدانُكم؟ أفَسَدت فطرتُكم حتى أصبحتم تجترحون أبغضَ الأشياء وأفسدها -وهو أكلُ لحم أخيكم- في الوقت الذي هو جدير بكل احترام وتوقير.
يفهم من هذه الآية الكريمة -وبما ذكرناه من دلائل مختلفة في كلماتها- أن الغيبة مذمومةٌ عقلاً وقلباً وإنسانية ووجداناً وفطرة وملّةً.
فتدبّر في هذه الآية الكريمة، وانظر كيف أنها تزجر عن جريمة الغيبة بإعجاز بالغ وبإيجاز شديد في ست مراتب.
حقاً إنَّ الغيبة سلاحٌ دنيء يستعمله المتخاصمون والحسّاد والمعاندون؛ لأن صاحب النفس العزيزة تأبى عليه نفسُه أن يستعمل سلاحاً حقيراً كهذا.
وقديماً قال الشاعر:
وَاُكْبِرُ نَفْسِى عَنْ جَزَاءٍ بِغِيْبَةٍ فَكُلُّ اغْتِيَابٍ جَهْدُ مَنْ لَا لَهُ جَهْدٌ [^12]
[^12]:ديوان المتنبي ص ١٩٨ ط. دار صادر.
والغيبة هي ذكرُك أخاك بما يكرَه، فإن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه وإن لم يكن فيه فقد بـهتّه. أي اجترحت إثماً مضاعفاً. [^13]
[^13]:انظر: مسلم، البر ٧٠؛ الترمذي، البر ٢٣؛ أبو داود، الأدب ٣٥.
إلّا أن الغيبة وإن كانت محرّمة فإنها تجوز في أحوال معينة: [^14]
[^14]:انظر: النووي، الأذكار ص ٣٦٠-٣٦٢، ٣٦٦.
منها: التظلم، فالمظلوم يجوز له أن يصف مَنْ ظلمَه إلى حاكم ليعينه على إزالة ظلم أو مُنكر وقع عليه.
