وهكذا، فأوصافُ الذين يسبقون المهدي الكبير ممّن يمثّلونه في عهودهم، كالخلفاء المهديين والأقطاب المهديين، اختلطت وتداخلت مع أوصاف ذلك المهدي الكبير. فوقع الاختلاف في الروايات.
الأساس الخامس
الأساس الخامس
لم يكن الرسولُ الأعظم ﷺ يعلم الغيبَ ما لم يُعلِّمه الله سبحانه، إذ لا يعلم الغيب إلّا الله فهو ﷺ يبلّغ الناسَ ما علّمه الله إياه. وحيث إن الله حكيمٌ ورحيم، فحكمتُه ورحمتُه تقتضيان سترَ أغلب الأمور الغيبية وإبقاءها في طي الخفاء والإبهام، لأن ما لا يسرّ الإنسانَ من حوادث في هذه الدنيا هو أكثر مما يسرّه، فمعرفته تلك الحوادث قبل وقوعها أليم جداً.
فلأجل هذه الحكمة ظَلَّ الموتُ والأجلُ مبهَمَين مستورَين عن علم الإنسان، وبقي ما سيصيب الإنسانَ من مصائب ونكبات محجوباً في ثنايا الغيب، فكان من مقتضى هذه الحكمة الربانية والرحمة الإلهية ألّا يُطلع سبحانه نبيَّه ﷺ اطلاعاً كلياً ومفصلاً على ما سيلقاه آلُه وصحبه وأُمته من بعده من حوادثَ مؤلمة ومصائبَ مفجعة، بل أَخبره سبحانه عن بعضٍ من الحوادث المهمة -بناء على حِكَم معينة- إخباراً غير مفجع، رفقاً بما يحمله من رحمةٍ عظيمة ورأفة شديدة نحو أمته وتجاه آله وأصحابه. كما أنه سبحانه قد بشّره بحوادث مفرحة أيضاً بشارةً مجملة لبعضها ومفصلةً للأخرى [^10] فأخبر ﷺ أمتَه بما علّمه ربُّه ونقَله المحدِّثون الصادقون العدول بروايات صحيحة إلينا، أولئك الذين كانوا أشدّ تقوى وخشية من أن يصيبهم الزجرُ المخيف في قوله ﷺ: (مَن كَذب عليَّ مُتعمّداً فَلْيَتبوأ مَقعدَه من النار) [^11] والذين كانوا يهربون خوفاً من أن تنالهم الآيةُ الكريمة: ﴿فَمَنْ اَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللّٰهِ﴾ (الزمر: ٣٢).
[^10]:إن الدليل على أن الله سبحانه لم يُطلع رسوله ﷺ اطلاعاً كاملا على أن الصّديقة عائشة رضي الله عنها ستكون في وقعة الجمل هو: أنه ﷺ قال لزوجاته الطاهرات: «أيكنّ تنبح عليها كلابُ الحوأب» أي من منكن ستشترك في تلك الواقعة، وذلك لئلا يجرح سبحانه ما يكنّه الرسول ﷺ من حب شديد ورأفة كاملة تجاه عائشة رضي الله عنها. إلّا أنه سبحانه أطلعه بعد ذلك اطلاعاً مجملا بالأمر حيث قال ﷺ لعلي رضي الله عنه بحقها: «فارفق وبلّغها مأمنها» ∗ (المؤلف).∗ انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٥٢/٦، ٩٧/٦، ٣٩٣/٦؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٢٣٤/٧؛ البيهقي، دلائل النبوة ٤١١/٦.
[^11]:البخاري، العلم ٣٨؛ مسلم، المقدمة ٢-٤.
