مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 224 من 656
٢٢٤

ثم إننا نرى أن في السور المدنية المطوّلة والمتوسطة تكراراً بديعاً منسقاً للفظ الجلالة (الله)، فهو في الغالب يتكرر بأعداد معينة، أما خمس أو ست أو سبع أو ثمان أو تسع مرات أو إحدى عشرة مرة فضلاً عن أنه يبين مناسبةً عددية لطيفة على وجهَي ورقة المصحف والمتقابلتين. [^467] ، [^468] ، [^469] ، [^470]

[^467]:وكذا إنه إزاء «أهل الذكر والمناجاة»، فإن ألفاظ القرآن الكريم الجميلة والمقفاة وأسلوبه الفصيح البديع، ومزايا بلاغته التي تستقطب الأنظار، رغم أنها كثيرة جداً فإنها تمنح جدية سامية، وحضوراً وسكينة تامة، وجمعاً للخواطر دون تشتيتها، بينما أمثال تلك المزايا للفصاحة والصنعة اللفظية والتقيد بالنظم والقافية تخل بالإخلاص والجدية -رغم ما يشف عن ظرافة لفظية- وتفسد اطمئنان القلب وسكينته وتشتت أفكار المتأمل. حتى إن ألطف المناجاة وأكثرها إخلاصاً وجديّة وأعلاها نظماً هي مناجاة الإمام الشافعي المشهورة، والتي كانت سبباً لرفع الغلاء والقحط عن مصر، فكنتُ أقرأها كثيراً، فرأيت: أن كونها نظماً ومقفاة، لا تحافظ على الإخلاص التام والجد السامي في المناجاة، ورغم أنها كانت من أورادي منذ ما يقرب من تسع سنوات فلم أتمكن أن أوفّق بين الجدية والإخلاص في المناجاة والنظم والقافية، فأيقنت أن القافية الفطرية الممتازة الخاصة بالقرآن الكريم ومزايا نظمه إنما هي من أنواع الإعجاز بحيث إنها تحافظ على الإخلاص الجاد وسكينة القلب وطمأنينته من دون أن يخل بشيء منها. وهكذا إن لم يدرك أهل المناجاة والذكر هذا النوع من الإعجاز عقلاً، فهم يشعرون به قلباً.

[^468]:إن سراً من أسرار إعجاز القرآن الكريم المعنوية هو: إن القرآن يبين الدرجة العظيمة والساطعة «لإيمان الرسول الأعظم ﷺ» الذي حظي بتجلي الاسم الأعظم. وكذا يبين ويعلّم بأسلوب فطري -كخارطة مقدسة مشهورة- تلك المرتبة السامية للدّين الحق العظيم والواسع، المبيّن للحقائق الرفيعة لعالم الآخرة وعالم الرّبوبية. وكذا يمثل القرآن الكريم «خطاب رب العالمين» وهو في علياء عزته وعظمته وربوبيته المطلقة، فلا بد أنّ تعبيراً فرقانياً بهذا الأسلوب، وبياناً قرآنياً بهذا النمط لا يمكن أن تأتي مثله عقولُ البشر قاطبة ولو اجتمعت في عقل واحد، بمثل ما عبّر القرآن الكريم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْاِنْسُ وَالْجِنُّ عَلٰٓى اَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْاٰنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِه۪﴾ (الإسراء: ٨٨) لأنه لا يمكن من حيث هذه الأسس الثلاثة أن يقلَّد القرآن ولا أن يأتي بمثله أحد أبداً.

[^469]:تنتهي الآيات الكريمة بنهاية الصحيفة (في كثير من المصاحف المسمى بركنار) فتختم الصحيفة بقافية جميلة، وسر هذا هو أن أطول آية في القرآن الكريم، وهي آية المداينة قد اتخذت وحدة قياس صحيفة المصحف، واتخذت سورة الإخلاص والكوثر وحدة قياس طول السطر، وبهذا ظهرت هذه الميزة اللطيفة وعلامة الإعجاز للقرآن الكريم.

[^470]:لقد اكتفي في هذا المقام وفي مبحثه هذا على أمثلة جزئية وقليلة جداً، وقصيرة جداً، واقتصر على أمارات صغيرة جداً حيث اضطررت إلى الاستعجال في الكتابة، رغم أن هذا البحث في غاية الأهمية والسعة والعظمة، وإنه يبين كرامة لطيفة جميلة في غاية الأهمية من زاوية التوفيق الإلهي الذي آزر رسائل النور. نعم، إن تلك الكرامة اللطيفة والحقيقة العظيمة تظهر سلسلة من كرامات رسائل النور في التوافق وذلك في خمسة أو ستة أنواع منه، وتبين نوعاً مشهوداً بالإبصار من إعجاز القرآن وتشكّل منبعاً للإشارات الغيبية ورموزها. وقد حصل هذا فعلاً بعدئذٍ؛ إذ قد استُكتب مصحف شريف يبيّن فيه التوافق في لفظ الجلالة في كل صحيفة. وظهرت ثماني رسائل صغيرة باسم «الرموز الثمانية» التي تبيّن المناسبة اللطيفة والإشارات الغيبية الناشئة من التوافق بين حروف القرآن الكريم، وكتبت كذلك خمس رسائل في تصديق رسائل النور وتقدير قيمتها بما فيها من سر التوافق، وهي الكرامة الغوثية وثلاث رسائل من الكرامة العلوية ورسالة الإشارات القرآنية. ففي تأليف «رسالة المعجزات الأحمدية» إذن قد استشعرت تلك الحقيقة العظمى ولكن مع الأسف لم يَرَ المؤلف منها إلّا طرفاً ضئيلاً، ولم يبيّن إلّا قطرة من بحرها، فانصرف ولم يعقب. (المؤلف).

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.