بالتواتر الصريح أو المعنوي أو السكوتي، وقسم منها بخبر الآحاد. إلّا أنه ضمن شروط معينة مُمحَّصة أُخذ وقُبل من قبل أئمة الجرح والتعديل من أهل الحديث النبوي فأصبحت دلالتُه قطعيةً كالتواتر. ولاشك إذا ما قَبِلَ بصحة خبر الآحاد محدِّثون محقِّقون من أصحاب الصحاح الستة وفي مقدمتهم «البخاري» و «مسلم» وهم الحفاظ الجهابذة الذين كانوا يحفظون ما لا يقل عن مائة ألف حديث، وإذا ما رضي به ألوفٌ من الأئمة العلماء المتقين، ممن يصلون صلاة الفجر بوضوء العشاء زهاء خمسين سنة من عمرهم. [^7] أقول: إذا ما قَبِل هؤلاء بصحة خبر الآحاد، فلا ريب إذن في قطعيته ولا يقلّ حكمُه عن التواتر نفسه.
[^7]:الامام الغزالي، إحياء علوم الدين ١/ ٣٥٩.
نعم، إنَّ علماء علم الحديث ونُقّاده قد تخصصوا في هذا الفن إلى درجة أنهم اكتسبوا مَلَكَةً في معرفة سموِّ كلام الرسول ﷺ وبلاغةِ تعابيره، وطراز إفادته، فأصبحوا قادرين على تمييزه عن غيره، بحيث لو رأوا حديثاً موضوعاً بين مائةٍ من الأحاديث لرفضوه قائلين: هذا موضوعٌ!. هذا لا يمكن أن يكون حديثاً شريفاً! فقد أصبحوا كالصيارفة البارعين الأصلاء يعرفون جوهرَ الحديث النبوي من الدخيل فيه.
بيد أن قسماً من المحققين قد أَفرط في نقد الحديث كـ«ابن الجوزي» الذي حكَم على أحاديـثَ صحيحة بالوضـع. [^8] علماً أن «الموضوع» يعنـي: أن هذا الـكـلام ليـس بـكـلام الـرسول ﷺ، ولا يـعـنـي أنـه بـاطل وكلام فـاسـد.
[^8]:راجع أقوال الأئمة الحفاظ كالسيوطي والسخاوي وابن صلاح وابن تيمية واللكنوي وغيرهم حول إفراط ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات» وتحامله فيه تحاملاً كثيراً حتى إنه أدرج فيه كثيراً من الأحاديث الصحيحة، في كتاب: (الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة لعبد الحي اللكنوي وتحقيق عبد الفتاح أبو غدة) في الصفحات: ٨٠، ١٢٠، ١٦٣، ١٧٠ وكذا في كتاب (الرفع والتكميل ص ٥٠-٥١).
سؤال: ما فائدة السَند الطويل: عن فلان.. عن فلان.. عن فلان.. حيث لا جدوى من ذكرهم في حادثة معلومة؟.
الجواب: فوائدُه كثيرة، إذ إن ذكرَ هذا السند الطويل يبين نوعاً من الإجماع فيمن هم في السند من الموثوقين الصادقين من الرواة الذين يُعتّد بهم، فيُظهر لنا نوعاً من الاتصال والاتفاق لأهل العلم المحققين في ذلك السند، فكأنما كلّ إمامٍ وعلاّمة في السند يوقّع على حكم ذلك الحديث الشريف ويختم على صحته بختمه.
