شَخْصِي مِنْ صِفَةٍ إلّا وَهِيَ مِنْ شُعَاعِ اِسْمٍ مِنْ أسمائه الْبَاقِيَةِ؛ فَزَوَالُ تِلْكَ الصِّفَةِ وَفَنَاؤهَا لَيْسَ إعْدَاماً لَهَا، لأنها مَوْجُودَةٌ فِي دَائِرَةِ الْعِلْمِ وَبَاقِيَةٌ وَمَشْهُودَةٌ لِخَالِقِهَا.
وَكَذَا حَسْبِي مِنَ الْبَقَاءِ وَلَذَّتِهِ عِلْمِي وَإذْعَانِي وَشُعُورِي وَإيمَانِي بِأنَّهُ اِلَهِيَ الْبَاقِي الْمُتَمَثِّلُ شُعَاعُ اِسْمِهِ الْبَاقِي فِي مِرْآةِ مَاهِيَّتِي؛ وَمَا حَقِيقَةُ ماهِيَّتِي إلّا ظِلٌّ لِذلِكَ الاِسْمِ. فَبِسِرِّ تَمَثُّلِهِ فِي مِرْآةِ حَقِيقَتِي صَارَتْ نَفْسُ حَقِيقَتِي مَحْبُوبَةً، لا لِذاتِهَا بَلْ بِسِرِّ مَا فِيهَا وَبَقَاءُ مَا تَمَثَّلَ فِيهَا أنواع بَقَاءٍ لَهَا.
النكتة الثالثة
النكتة الثالثة [^23]
[^23]:كنت أفكر منذ أمد بعيد أن أشير إشارة عابرة مجملة إلى مراتب حقيقة هامةٍ؛ تمّ إيضاحها بخمسة رموز وخمس إشارات في «المكتوب الرابع والعشرين» الذي يكشف عن طلسم الفعّالية الدائمة التي هي من أهم معميات الكون والتي تجري بصفة دائمة في خضم الموت والحياة والفناء والزوال. أما الفناء والزوال والعدم فمسائل تعبّر عن عناوين لأنواع مختلفة من الوجود، وتثمر كثيراً من أنماطها، وأن الشيء الآيل إلى الزوال يترك وراءه اضراباً كثيرة من الوجود. وإن موت ذي حياة وزواله يثمر وجودات كثيرة، يتركها وراءه ثم يذهب. نعم إن الشيء الفاني يظل باقياً من جهات متعددة. فالحبة تموت بالبِلىَ والتعفّن، ولكنها تترك مكانها سنبلة جامعة لمائة حبة. وهكذا، وبناء على هذا السر فالخوف من الموت والعدم، والتأسف على الزوال ليس أمراً في موضعه. (المؤلف).
﴿ حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَك۪يلُ ﴾ إذ هُوَ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الَّذِي مَا هذِهِ الْمَوْجُودَاتُ السَّيَّالاتُ إلّا مَظَاهِرُ لِتَجَدُّدِ تَجَلِّيَاتِ إيجَادِهِ وَوُجُودِهِ؛ بِهِ وَبِالاِنْتِسَابِ إليه وَبِمَعْرِفَتِهِ أنوار الْوُجُودِ بِلا حَدٍّ. وَبِدُونِهِ ظُلُمَاتُ الْعَدَمَاتِ وَآلامُ الْفِرَاقاتِ الْغَيْر الْمَحْدُودَاتِ.
وَمَا هذِهِ الْمَوْجُودَاتُ السَّيَّالَةُ إلّا وَهِيَ مَرَايَا وَهِيَ مُتَجَدِّدَةٌ بِتَبَدُّلِ التَّعيُّنَاتِ الاِعْتِبَارِيَّةِ فِي فَنَائِهَا وَزَوَالِهَا وَبَقَائِهَا بِسِتَّةِ وَجُوهٍ:
الأوَّلُ: بَقَاءُ مَعَانِيهَا الْجَمِيلَةِ وَهُوِيَّاتِهَا الْمِثَالِيَّةِ.
وَالثَّانِى: بَقَاءُ صُوَرِهَا فِي الألْوَاحِ الْمِثَالِيَّةِ.
والثَّالثُ: بَقَاءُ ثَمَراتِها الأخْرَويَّةِ.
وَالرّابِعُ: بَقَاءُ تَسْبِيحَاتِهَا الرَّبَّانِيَّةِ الْمُتَمَثِّلَةِ لَهَا الَّتِي هِيَ نَوْعُ وَجُودٍ لَهَا.
وَالْخَامِسُ: بَقَاؤهَا فِي الْمَشَاهِدِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْمَنَاظِرِ السَّرْمَدِيَّةِ.
والسَّادِسُ: بَقَاءُ أرْوَاحِهَا اِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوِي الأرواح. [^24] وَمَا وَظِيفَتُهَا فِي كَيْفِيَّاتِهَا
[^24]:كما برهن على بقائها بالقطع والضرورة ببراهين باهرة في «الكلمة التاسعة والعشرين». وإن لم يكن من ذوي الأرواح، تبقى قوانينُ حقيقتها وخلقتها ونواميسُ ماهيتها ودساتير تشكلها. فإن ذلك القانون والناموس والدستور روح = أمريّ لذلك الفرد ولنوعه. كما أن شجرة التينة تموت وتنعدم ويبقى روحها الأمري الذي هو قوانين تشكله ويدوم في نويته الصغيرة؛ فذلك الروح الأمري لا يموت بل يتجدد عليه الصور، بل تدوم ماهيته للحياة. إذ ماهيتها ظل لاسم من الأسماء الحسنى الباقية، فتبقى تلك الماهية تحت شعاع الاسم الباقي، وتبقى هويته أيضا في كثير من الألواح المثالية. فلا يكون العدم إلّا عنواناً لانتقال وجود زائل إلى أنواع من وجود دائم. (المؤلف).
