مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 429 من 591
٤٢٩

وَجِهَةُ الخَلْفِ أيضاً مُظْلِمَةٌ مُوحِشَةٌ. فَكُلُّ ذي شُعُورٍ يَتَحيَّرُ مُتَرَدِّداً ومُستَفْسِراً بـ«مِنْ أينَ؟ إلى أينَ؟». فلأنَّ الغَفْلَةَ لا تُعْطي لهُ جَوَاباً، يَصيرُ التَرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ ظُلُمَاتٍ في رُوحِهِ.. فَبِنِعْمَةِ الإيمان تَنْكَشِفُ تِلكَ الجِهَةُ عَنْ مَبْدَإِ الإنسان وَوَظيفَتِهِ، وَبِأنَّ السُّلطَانَ الأزَليَّ أرسَلَهُمْ مُوَظَفينَ إلى دَارِ الامْتِحَانِ..

فَمِنْ هذِه الحَقيقَةِ يَكوُنُ «الحَمْدُ» عَلى نِعْمَةِ الإيمان المُزيلِ للِظُّلُمَاتِ عَنْ هذِه الجِهَاتِ السِّتِّ أيضاً نِعْمَةً عَظيمَةً تَسْتَلْزِمُ «الحَمْدَ». إذ بـ«الحَمْدِ» يُفْهَمُ دَرَجَةُ هذِهِ النِّعْمَةِ وَلَذَّتُهَا. فَالحَمْدُ لله عَلى «الحَمْدُ لله في تَسَلسُلٍ يَتَسَلسَلُ في دَوْرٍ دَائرٍ بِلا نِهَايَةٍ».

النقطة الثانية

النقطة الثانية

الحَمْدُ لله عَلى نِعْمَةِ الإيمان المُنَوِّرِ لَنَا الجِهَاتِ السِّتَّ. فَكما أن الإيمان بإزَالَتِهِ لِظُلُمَاتِ الجِهَاتِ السِّتِّ نِعْمَةٌ عَظيِمَةٌ مِنْ جِهَةِ دَفْعِ البَلايا؛ كَذَلِكَ أنَّ الإيمان لِتَنْوِيرِهِ للِجِهَاتِ السِّتِّ نِعْمَةٌ عَظيِمَةٌ أخرى مِنْ جِهَةِ جَلْبِ المَنَافِعِ. فَالإنسَانُ لعلاقَتهِ بِجَامِعيَّةِ فِطْرَتِهِ بِمَا في الجِهَاتِ السِّتِّ مِنَ المَوجُودَاتِ. وَبِنِعْمَةِ الإيمان يُمْكِنُ لِلإنسَانِ اِسْتِفَادَةٌ مِنْ جَميعِ الجِهَاتِ السِّتِّ أينما يَتَوَجَّهُ. فَبِسِرِّ ﴿ فَاَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ ﴾ (البقرة:١١٥) تَتَنَوَّرُ لهُ تِلكَ الجِهَةُ بِمَسَافَتِهَا الطَّوِيلَةِ بِلَا حَدٍّ. حَتَّى كأَنَّ الإنسانَ المُؤْمِنَ لَهُ عُمْرٌ مَعْنَوِيٌّ يَمْتَدُّ مِنْ أوَلِ الدُّنيَا إلى آخِرِهَا، يَسْتَمِدُّ ذَلِكَ العُمْرُ من نُور حَيَاةٍ مُمْتَدَّةٍ من الأزَلِ إلى الأبَدِ. وحتى إنَّ الإنسانَ بسِرّ تَنْويرِ الإيمانِ لِجِهَاتِهِ يَخْرُجُ عَنْ مَضِيقِ الزَّمَانِ الحَاضِرِ وَالمَكَانِ الضَّيِّقِ إلى سَاحَةِ وُسْعَةِ العَالَم، ويَصيرُ العَالَمُ كَبَيتِهِ، والمَاضِي وَالمُسْتَقْبَلُ زَمَانَاً حَاضِراً لِرُوحِهِ وَقَلْبِهِ. وَهَكَذا فَقِسْ...

النقطة الثالثة

النقطة الثالثة

الحَمْدُ لله عَلى الإيمان الحَاوي لِنُقطَتَي الاسْتِنَاد وَالاسْتِمْدَادِ.

نَعَمْ، بِسِرِّ غَايَةِ عَجْزِ البَشَرِ وَكَثرَةِ أعْدَائِهِ يَحتَاجُ البَشَرُ أشَدَّ احتِيَاجٍ إلى نُقطَةِ اسْتِنَادٍ يَلْتَجِئُ إليها لِدَفْعِ أعْدائِهِ الغَيْرِ [^6] المَحْدُودَةِ، وَبِغايَةِ فَقْرِ الإنسان مَعَ غَايَةِ كَثرَةِ حاجَاتِهِ وَآمَالِهِ يَحْتَاجُ أشَدَّ احتِيَاجٍ إلى نُقطَةِ اسْتِمدَادٍ يَستَمِدُّ مِنْهَا، وَيَسْألُ حَاجَاتِهِ بِهَا.

[^6]:جاء في المصباح المنير للفيومي، في مادة (غير) ما نصّه: «... وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ إنما وصف بها المعرفةَ، لأنها أشبَهَتِ المعرفةَ بإضافتها إلى المعرفة، فعوملت معاملتها. ومن هنا اجترأ بعضُهم فادخل عليها الألف واللام، لأنها لمّا شابهت المعرفة، بإضافتها إلى المعرفة، جاز أن يدخُلها ما يعقب الإضافة، وهو الألف واللام...».

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.