مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 199 من 591
١٩٩

قال: ذلك الشيخ المقتصد الذي لقيتُه في المفازة ذات يوم، لقد رأيتُه حقاً أعزّ مني وأكرم. [^5]

[^5]:قال ناس لحاتم الطائي: أرأيت أو سمعت لمن هو أعلى منك همة في هذه الدنيا. فقال: نعم، نحرت يوما أربعين جملا وخرجت إلى طرف البادية لأدعو أمراء العرب فرأيت حاطبا يحمل على ظهره حزمة شوك يريد بها المدينة. فقلت له: لماذا لم تذهب إلى ضيافة حاتم، فإن خلقا كثيرا قد التفوا حول مائدته؟ فالتفت إليّ وأنشد: أرى كل من بالكدح يدرك خبزه، فليس بمحتاج لمنة حاتم. فالحق أقول: لقد رأيت ذلك الرجل أعلى مني همة وأكرم. (روضة الورد «كلستان» ترجمة الفراتي ص ١٤٤).

النكتة الخامسة

النكتة الخامسة

إنَّ من كمال كرم الله سبحانه وتعالى، أنه يُذيقُ لذّة نِعَمه لأَفقر الناس، كما يذيقها أغناهم، فالفقير يستشعر اللذة ويتذوقها كالسلطان.

نعم إن اللذة التي ينالها فقير من كِسرة خبز أَسود يابس بسبب الجوع والاقتصاد تفوق ما يناله السلطان أو الثري من أكله الحلوى الفاخرة بالملل وعدم الشهية النابعين من الإسراف.

ومن العجب حقاً أن يجرؤ بعضُ المسرفين والمبذّرين على اتهام المقتصدين بالخسّة.. حاشَ لله، بل الاقتصاد هو العزة والكرم بعينه، بينما الخسةُ والذلة هما حقيقة ما يقوم به المسرفون والمبذرون من سخاء ظاهري.

وهناك حادثة جرت في غرفتي في «إسبارطة» في السنة التي تم فيها تأليف هذه الرسالة، تؤيد هذه الحقيقة وهي أنه: أصرّ أحد طلابي إصراراً شديداً على أَن أَقبل هديته التي تزن أوقيتين ونصف الأوقية [^6] من العسل، خرقاً لدستور حياتي، [^7] ومهما حاولت في بيان ضرورة التمسك بقاعدتي لم يقنع، فاضطررت إلى قبولها مرغماً على نية أن يشترك ثلاثةُ إخوةٍ معي في الغرفة فيها ويأكلوا منه باقتصاد طوال أربعين يوماً من شهري شعبان ورمضان المبارك، ليكسب صاحبه المُهدي ثواباً، ولا يبقوا دون حلاوة. لذا أوصيتُهم بقبول الهدية لهم علماً أنّي كانت عندي أوقية من العسل.

[^6]:الأوقية تساوي ١.٢٨٠ كيلوغرام.

[^7]:وهو أن الأستاذ النورسي ما كان يقبل الهدايا بلا مقابل.

وبرغم أن أصدقائي الثلاثة كانوا على استقامة حقاً وممن يقدّرون الاقتصاد حق قدره، فإنهم -على كل حال- نَسوه نتيجة قيامهم بإكرام بعضهم بعضاً ومراعاتهم شعور الآخرين

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.