مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 207 من 591
٢٠٧

تدلنا هذه الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف معاً على مدى أهمية الإخلاص في الإسلام، ومدى عظمته أساساً تستند إليه أمور الدين. فمن بين النكت التي لا حصر لها لمبحث «الإخلاص» نبين باختصار خمس نقاط فقط.

النقطة الأولى

النقطة الأولى

سؤال مهم ومثير للدهشة:

لماذا يختلف أصحابُ الدين والعلماء وأرباب الطرق الصوفية وهم أهل حق ووفاق ووئام بالتنافس والتزاحم، في حين يتفق أهلُ الدنيا والغفلة بل أهل الضلالة والنفاق من دون مزاحمة ولا حسد فيما بينهم، مع أن الاتفاق هو من شأن أهل الوفاق والوئام، والخلاف ملازمٌ لأهل النفاق والشقاق. فكيف استبدل الحق والباطل مكانهما؛ فأصبح الحق بجانب هؤلاء والباطل بجانب أولئك؟

الجواب: سنبين سبعة من الأسباب العديدة لهذه الحالة المؤلمة التي تقض مضجع الغيارى الشهمين.

السبب الأول

السبب الأول:

إنَّ اختلاف أهل الحق غير نابع من فقدان الحقيقة، كما أن اتفاق أهل الغفلة ليس نابعاً من ركونهم إلى الحقيقة. بل إن وظائف أهل الدنيا والسياسة والمثقفين وأمثالهم من طبقات المجتمع قد تعيّنت وتميزت؛ فلكل طائفة وجماعة وجمعية مهمة خاصة تنشغل بها، وما ينالونه من أجرة مادية -لقاء خدماتهم ولإدامة معيشتهم- هي كذلك متميزة ومتعيّنة، كما أن ما يكسبونه من أجرة معنوية كحب الجاه وذيوع الصيت والشهرة، هي الأخرى متعينة ومخصصة ومتميزة. [^3] فليس هناك إذن ما يولد منافسة أو مزاحمة أو حسداً فيما بينهم. وليس هناك ما يوجب المناقشة والجدال، لذا تراهم يتمكنون من الاتفاق مهما سلكوا من طرق الفساد.

[^3]:تحذير: إنَّ إقبال الناس وتوجههم لا يُطلب، بل يوهب، ولو حصل الإقبال فلا يُسرّ به. وإذا ما ارتاح المرء لتوجه الناس إليه فقد ضيع الإخلاص ووقع في الرياء. أما التطلع إلى نيل الشهرة والصيت التي تتضمن توجه الناس والرغبة في إقبالهم فهو ليس بأجرة ولا ثواب، بل عتاب وعقاب نابعان من فقدان الإخلاص. نعم ، إن توجه الناس وإقبالهم لا يراد، لأن ما فيه من لذة جزئية تضر بالإخلاص الذي هو روح الأعمال الصالحة، ثم إنه لا يستمر إلا إلى حد باب القبر. فضلا عن أنه يكتسب ما وراء القبر صورة أليمة من عذاب القبر. فلا يُرغب في توجه الناس ونيل رضاهم إذن، بل يلزم الفرار والتهيب منه. فليصغ إلى هذا عُباد الشهرة والمتلهفون على كسب رضى الناس. (المؤلف).

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.