سنة، [^13] ولكل منهم سبعون ألفاً من الحور والقصور، فلا موجب هناك إذن للحسد والمنافسة قط. فيدلنا هذا على أنه لا حسد ولا مشاحنة في أعمال صالحة تفضي إلى الآخرة، أي لا مجال للمنافسة والتحاسد فيها، فمَن تحاسد فهو لا شك مُراءٍ. أي إنه يتحرى مغانم دنيوية تحت ستار الدين ويبحث عن منافع باسم العمل الصالح. أو إنه جاهل صادق لا يعلم أين وجهة الأعمال الصالحة ولم يدرك بعدُ أن الإخلاص روح الأعمال الصالحة وأساسها، فيتهم سعة الرحمة الإلهية كأنها لا تسعه، ويبدأ بالحسد والمنافسة والمزاحمة منطوياً في قرارة نفسه على نوع من العداء مع أولياء الله الصالحين الصادقين.
[^13]:سؤال مهم وارد من جانبٍ عظيم الأهمية: كيف تستوعب عقولنا الدنيوية القاصرة حقيقة ما روي أن المؤمن يُمنح جنة عرضها خمسمائة سنة ؟. الجواب: كما أن لكل شخص في هذه الدنيا دنيا مؤقتة خاصة به، قوامها حياته يستمتع بها ما يشاء بحواسه الظاهرة والباطنة، حتى يمكنه أن يقول: الشمس مصباح لي والنجوم قناديل لي، فلا ينازعه في ملكيته هذه وجود سائر المخلوقات وذوي الأرواح، بل يعمرون دنياه الخاصة ويُجمّلونها... كذلك الأمر في الجنة، مع فارق عظيم، فكل مؤمن فضلا عن روضته الخاصة التي تضم ألوف القصور والحور العين له جنة خاصة به بسعة خمسمائة سنة من الجنة العامة، يستمتع بها استمتاعاً يليق بالجنة والخلود بما تنكشف من حواسه وتنبسط من مشاعره حسب درجة كل مؤمن، فلا ينقص وجود الآخرين معه ومشاركتهم له شيئاً من تنعمه وتلذذه وتملكه، بل يعمرون جنته الخاصة والواسعة ويزينونها. نعم، فكما يتمتع الإنسان في الدنيا بفمه وأذنه وعينه وأذواقه الأخرى ومشاعره وحواسه كلها في مسافة ساعة يقضيها في حديقة، أو في مسافة يوم يمضيه في سياحة، او في مسيرة شهر كامل في مملكة، أو في سنة من عمره يستجم بها في رحلة وسفرة.. كذلك الأمر هناك في الجنة، تتمتع حاسة الذوق والشم في تلك المملكة الخالدة في مسافة سنة كاملة ما كانت تتمتع به في هذه الحياة الفانية في ساعة من حديقة غناء، وتتمتع حاسة الإبصار والسمع في تلك المملكة الأبدية الزاهية من أقصاها إلى أقصاها ضمن رحلة أمدها خمسمائة سنة تمتعا يلائم خلودها ما تتمتع به من سياحة وتجوال ورحلات يمضيها الإنسان في سنة في هذه الدنيا. فلكل مؤمن حسب درجته وحسب ما يناله من ثواب على أعماله التي قام بها في الدنيا وحسب نسبة ونوعية حسناته تنكشف مشاعره وتنبسط حواسه، فتستمتع تلك المشاعر والحواس هناك في الجنة بما يلائم خلودها. (المؤلف).
وسأذكر هنا حادثة تؤيد هذه الحقيقة: كان أحد أصدقائنا السابقين يحمل في قلبه ضغينة وعداء نحو شخص معين. وعندما أُثني على هذا الشخص أمامه في مجلس وقيل في حقه: «إنه رجل صالح، إنه ولي من أولياء الله» رأينا أن هذا الكلام لم يثر فيه شيئاً فلم يُبدِ ضيقاً من الثناء على عدوه. ولكن عندما قال أحدهم: «إنه قوي وشجاع» رأيناه قد انتفض عرقُ الحسد والغيرة لديه. فقلنا له: «يا هذا إن مرتبة الولاية والتقوى من أعظم المراتب في الآخرة فلا يقاس عليها شيء آخر، فأين الثرى من الثريا؟!. لقد شاهدنا أن ذكر هذه المرتبة لم يحرك فيك ساكناً بينما ذِكرُ القوة العضلية التي تملكها حتى الثيران والشجاعة التي تملكها السباع قد أثارتا فيك نوازع الحسد». أجاب: «لقد استهدفنا كلانا هدفاً ومقاماً معيناً في هذه الدنيا،
