وأمثالِها كالخفافيش أمام تلك الشمس الساطعة والسراج المنير فأغمضوا أعينهم عنها، فارتموا في أحضان القوة الدافعة الشيطانية، وظلوا في الضلالة ولم ينجذبوا بجاذبية القرآن العظمى وحقائقه الخالدة.
وإذا قيل: لما كان الرسول الأكرم ﷺ حبيبَ رب العالمين ولا ينطق إلّا بالحقّ ولا يملك إلّا الحقيقة، وقد أمدّه الله في غزواته بملائكةٍ جنوداً مسوّمين، وارتوى جيشٌ كامل من غرفة من ماء تفجّر من بين أصابعه، [^2] وشَبعَ ألف من الناس بشاةٍ مطبوخة وحفناتٍ من قمح، [^3] وهزم الكفارَ بقبضة من تراب رماها على عيونهم ودخلت تلك القبضة من التراب في عين كل كافر.. [^4] إن قائداً ربانياً يملك أمثالَ هذه المعجزات الباهرة وكثيراً غيرها، كيف يُغلَب في نهاية «أُحد» [^5] وبداية «حُنَين»؟. [^6]
[^2]:انظر: البخاري، الوضوء ٣٢، المناقب ٢٥، المغازي ٣٥؛ مسلم، الامارة ٧٢، ٧٣، الفضائل ٥، ٦؛ الترمذي، المناقب ٦؛ النسائي، الطهارة ٦١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/ ٣٢٩.
[^3]:انظر: البخاري، الهبة ٢٨، الأطعمة ٦، المغازي ٢٩، المناقب ٢٥؛ مسلم، الأشربة ١٤١، ١٤٢، ١٧٥؛ الترمذي، المناقب ٦؛ ابن ماجه، الأطعمة ٤٧؛ الموطأ، صفة النبي ١٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/ ١٩٧، ١٩٨.
[^4]:انظر: مسلم، الجهاد ٨١؛ الدارمي، السير ١٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/ ٣٠٣، ٣٦٨، ٥/ ٢٨٦، ٣١٠.
[^5]:انظر: البخاري، الجهاد ٦٥، بدء الخلق ١١، مناقب الأنصار ٢٢، المغازي ٨١، الإيمان ١٥، الديات ١٦؛ أبو داود، الجهاد ١٠٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/ ٢٩٣، ٢٩٤.
[^6]:انظر: البخاري، المغازي ٥٤، الجهاد ٥٢، ٦١، ٩٧، ١٦٧؛ مسلم، الجهاد ٧٩؛ الترمذي، الجهاد ١٥.
الجواب: إن الرسول ﷺ قد أُرسل إلى البشرية كافة، قدوةً وإماماً ورائداً، كي تتعلم منه مناهجَ الحياة الاجتماعية والشخصية ودساتيرَها، وتَتعوّد على الانقياد لقوانين الإرادة الإلهية الحكيمة وتنسجم مع دساتيرها الربانية. فلو كان الرسول ﷺ مستنداً إلى المعجزات وخوارق العادات في جميع أفعاله الشخصية منها والاجتماعية لَما تسنّى له أن يكون إماماً مطلقاً ولا قدوةً كاملة حسنة للبشرية قاطبةً.
ولهذا السبب لم يُظهر ﷺ المعجزات إلّا تصديقاً لدعواه، بشكل متفرق، عند الحاجة، لكسر عِناد المُنكِرين. أما في سائر الأوقات فقد كان ﷺ مراعياً بكل دقة لقوانين عادة الله ولسننه الجارية، ومطيعاً طاعةً كاملة لنواميسه المؤسسّة على الحكمة الربانية والمشيئة الإلهية، كطاعته ومراعاته للأوامر الإلهية، لذا كان ﷺ يلبس الدرعَ في الحروب، [^7] ويأمر الجنود
[^7]:انظر: أبو داود، الجهاد ٧٥؛ ابن ماجه، الجهاد ١٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/ ٤٤٩.
