وإذا تصورت نفسك قبل ألف سنة مثلا، وقابلتَ بين جناحَي الزمان الماضي والمستقبل، ترى أمثلة الحشر والقيامة ونماذجها بعدد العصور والأيام. فلو ذهبتَ إلى استبعاد الحشر الجسماني وبعث الأجساد متوهما أنه بعيد عن العقل، بعد ما شاهدتَ هذا العدد الهائل من الأمثلة والنماذج، فستعلم أنت كذلك مدى حماقة من ينكر الحشر.
تأمل ماذا يقول الدستور الأعظم حول هذه الحقيقة: ﴿ فَانْظُرْ اِلٰٓى آثَارِ رَحْمَتِ اللّٰهِ كَيْفَ يُحْيِي الْاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا اِنَّ ذٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتٰى وَهُوَ عَلٰى كُلِّ شَىْءٍ قَد۪يرٌ ﴾ (الروم:٥٠).
الخلاصة: لا شيء يحُول دون حدوث الحشر، بل كلُّ شيء يقتضيه ويستدعيه. نعم، إن الذي يحيي هذه الأرض الهائلة وهي معرض العجائب ويميتها كأدنى حيوان، والذي جعلها مهدا مريحا وسفينة جميلة للإنسان والحيوان، وجعل الشمس ضياءً وموقدا لهذا المضيف، وجعل الكواكب السيّارة والنجوم اللامعة مساكن طائرات للملائكة.. إن ربوبية خالدة جليلة إلى هذا الحدّ، وحاكمية محيطة عظيمة إلى هذه الدرجة، لا تستقران ولا تنحصران في أمور الدنيا الفانية الزائلة الواهية السيالة التافهة المتغيرة. فلابد أن هناك دارا أخرى باقية، دائمة، جليلة، عظيمة، مستقرة، تليق به سبحانه فهو يسوقنا إلى السعي الدائب لأجل تلك الممالك والديار ويدعونا إليه وينقلنا إلى هناك. يشهد على هذا أصحابُ الأرواح النيرة، وأقطاب القلوب المنورة، وأربابُ العقول النورانية، الذين نفذوا من الظاهر إلى الحقيقة، والذين نالوا شرف التقرب إليه سبحانه. فهم يبلغوننا متفقين أنه سبحانه قد أعدّ ثوابا وجزاءا، وأنه يَعِد وعدا قاطعا، ويوعد وعيدا جازما.
فإخلاف الوعد لا يمكن أن يدنو إلى جلاله المقدّس، لأنه ذلّة وتذلل. وأما إخلاف الوعيد فهو ناشئ من العفو أو العجز. والحال أن الكفر جناية مطلقة [^27] لا يستحق العفو والمغفرة. أما القدير المطلق فهو قدوس منـزّه عن العجز، وأما المخبرون والشهود فهم متفقون اتفاقا كاملا على أساس هذه المسألة رغم اختلاف مسالكهم ومناهجهم ومشاربهم. فهم من
[^27]:نعم إن الكفر إهانة وتحقير للكائنات جميعا، حيث يتهمها بالعبثية وانتفاء النفع. وهو تزييف تجاه أسماء الله الحسنى، لأنه ينكر تجلي تلك الأسماء على مرايا الموجودات. وهو تكذيب للمخلوقات جميعا حيث يردّ شهادة الموجودات على الوحدانية. لذا فإنه يفسد قوى الإنسان واستعداداته إلى درجة يسلب منه القدرة على تقبل الخير والصلاح. فالكفر إذن ظلم عظيم جدا، إذ هو تجاوز لحقوق جميع المخلوقات، ولجميع الأسماء الحسنى، لذا فحفاظا على هذه الحقوق، ولعدم تمكن نفس الكافر من قبول الخير، اقتضى حرمانه من العفو. والآية الكريمة: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ تفيد هذا المعنى.(المؤلف)
