مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 83 من 943
٨٣

الربوبية الكلية.. فهل يمكن أن يُترك هذا الإنسان، يذهب إلى القبر لينام هادئا دون أن ينبّه ليُسأل عن كل صغيرة وكبيرة من أعماله، ودون أن يُساق إلى المحشر ليحاكم في المحكمة الكبرى؟ كلّا ثم كلّا!

وكيف يمكن أن يذهب هذا الإنسان إلى العدم، وكيف يمكن أن يتوارى في التراب فيفلت من يد القدير ذي الجلال الذي تشهد جميعُ الوقائع التي هي معجزات قدرته في الأزمنة الغابرة على قدرته العظيمة لما سيحدث من الممكنات في الأزمنة [^23] الآتية. تلك القدرة التي تحدث الشتاء والربيع الشبيهين بالقيامة والحشر؟ ولما كان الإنسان لا يحاسَب في هذه الدنيا حسابا يستحقه، فلابد أنه سيذهب يوما إلى محكمة كبرى وسعادة عظمى.

[^23]:إن الماضي الممتد منذ الآن إلى بدء الخليقة مليء بالوقائع والأحداث، فكل يوم ظهر إلى الوجود منه سطر، وكل سنة منه صحيفة، وكل عصر منه كتاب، رَسَمه قلمُ القدَر، وخطت فيه يدُ القدرة آياتها المعجزة بكل حكمة وانتظام. وإن المستقبل الذي يمتد من الآن إلى يوم القيامة، وإلى الجنة، وإلى الأبد، إنما هو ضمن الممكنات، أي كما أن الماضي هو وقائع وقعت فعلا، فالمستقبل كذلك ممكنات يمكن أن تقع فعلا. وإذا قوبلت سلسلتا هذين الزمانين فلا ريب في أن الذي خلق الأمس بما فيه من الموجودات قادر على خلق الغد بما سيكون فيه من الموجودات، ولا ريب كذلك أن موجودات وخوارق الزمن الماضي الذي هو معرض العجائب والغرائب هي معجزات القدير ذي الجلال وهي تشهد شهادة قاطعة على: أنه سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق المستقبل كله، وما فيه من الممكنات كلها، وأن يعرض فيه عجائبه ومعجزاته كافة. نعم، فكما أن الذي يقدر على خلق تفاحة واحدة لابد أن يكون قادرا على خلق تفاح العالم جميعا، بل على إيجاد الربيع الكبير. إذ من لا يَقدر على خلق الربيع لا يمكن أن يخلق تفاحة، لأن تلك التفاحة تنسج في ذلك المصنع. ومَن يقدِر على خلق تفاحة واحدة فهو إذن قادر على خلق الربيع فالتفاحة مثال مصغّر للشجرة، وللحديقة، بل هي مثال الكائنات جميعا. والتفاحة من حيث الصنعة والإتقان هي معجزة الصنعة، حيث تتضمن بذورها تاريخ حياة شجرتها. فالذي يخلقها خلقا بديعا كهذا لا يعجزه شيء مطلقا. وهكذا، فالذي يخلق اليومَ هو قادر على خلق يوم القيامة، والذي يحدث الربيع قادر على أحداث الحشر، والذي اظهر عوالم الماضي وعلقها على شريط الزمان -بكل حكمة وانتظام- لاشك أنه يقدر على أن يُظهر عوالم أخرى ويعلقها بخيط المستقبل، وسيُظهرها حتما. وقد أثبتنا بشكل قاطع في كثير من «الكلمات» ولا سيما في «الكلمة الثانية والعشرين» بأن «من لا يخلق كل شيء لا يقدر على خلق شيء. ومن يخلق شيئا واحدا يقدر على أن يخلق كل شيء. وكذلك لو أحيل إيجاد الأشياء إلى ذات واحدة لسهُلت الأشياء كلها كالشيء الواحد، ولو أسند إلى الأسباب المتعددة وإلى الكثرة لأصبح إيجاد الشيء الواحد صعبا بمقدار إيجاد الأشياء كلها إلى درجة الامتناع والمحال».(المؤلف)

الحقيقة الثامنة

الحقيقة الثامنة

باب الوعد والوعيد وهو تجلي اسم «الجميل» و«الجليل»

أمن الممكن لمُبدع هذه الموجودات وهو العليم المطلق والقدير المطلق ألّا يوفي بما أخبر به مكررا الأنبياءُ عليهم السلام كافة بالتواتر من وعد ووعيد، وشهد به الصدّيقون والأولياء كافة بالإجماع، مُظهرا عجزا وجهلا بذلك؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. علما أن

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.