الأساس الثاني
الأساس الثاني: وستفهم أن ساكني هذا الفندق هم ضيوف مسافرون، وأن ربهم الكريم يدعوهم إلى دار السلام.
الأساس الثالث
الأساس الثالث: وستفهم أن التزيينات في هذه الدنيا ليست لأجل التلذذ والتمتع فحسب، إذ لو أذاقَتْك اللذةَ ساعةً، أذاقتك الألمَ بفراقها ساعات وساعات، فهي تُذيقُك مثيرةً شهيتَك دون أن تُشبعك، لقِصَر عمرها أو لقِصَر عمرك، إذ لا يكفي للشبع. إذن فهذه الزينة الغاليةُ الثمن والقصيرةُ العمر هي للعبرة، [^19] وللشكر، وللحضّ على الوصول إلى تناول أصولها الدائمة، ولغايات أخرى سامية.
[^19]:على الرغم من أن كل شيء دقيق الصنع بديع التصوير جميل التركيب هو غالٍ ونفيس، فإن عمره قصير، ووجوده لا يستغرق إلّا زمنا يسيرا. فهو إذن نماذج وصور لأشياء أخرى ليس إلّا. ولما كان هناك ما يشبه توجيه الأنظار إلى الحقائق الأصيلة، فلا غرابة إذن في أن يقال: إن زينة الحياة الدنيا ما هي إلّا نماذج لنعم الجنة التي هيأها الرب الرحيم بفضله ولطفه لمَن أحب من عباده، بل الحقيقة هي هذه فعلا. (المؤلف)
الأساس الرابع
الأساس الرابع: وســتفهم أن هـذه الزينـة في الدنيا [^20] بمثـابـة صــور ونماذج للنـعـم المدّخـرة لــدى الرحمة الإلهيـة في الجنـة للمؤمنين.
[^20]:نعم، إن لوجود كل شيء غايات، ولحياته أهدافا ونتائج، فهي ليست بمنحصرة -كما يتوهم أهل الضلالة- على الغايات والمقاصد التي تتوجه إلى الدنيا أو التي تنحصر في الموجود نفسه، حتى يمكن أن يتسلل إليها العبث وعدم القصد. بل إن غايات وجود كل شيء ومقاصد حياته ثلاثة أقسام: أولها: وهو أسماها وهو المتوجه إلى صانعه سبحانه وتعالى. أي عرضُ دقائق صنع كل شيء وبديع تركيبه أمام أنظار الشاهد الأزلي سبحانه -بما يشبه الاستعراض الرسمي- حيث تكفي لذلك النظر حياة الشيء ولو للحظة واحدة. بل قد يكفيه استعدادُه لإبراز قواه الكامنة الشبيهة بنيّته -ولمّا يبرز إلى الوجود- ومثاله: المخلوقات اللطيفة التي تزول بسرعة، والبذور التي لم يتسنّ لها إعطاء ثمارها وأزاهيرها، تفيد هذه الغاية وتعبّر عنها تماما، فلا يطرأ عليها عبث ولا انتفاء النفع البتة. أي إن أولى غايات كل شيء هو: إعلانه وإظهاره -بحياته ووجوده- معجزات قدرة صانعه، وآثار صنعته، أمام أنظار عناية مليكه ذي الجلال. والقسم الثاني: من غاية الوجود وهدف الحياة هو: التوجه إلى ذوي الشعور أي إن كل شيء بمثابة رسالة ربانية زاخرة بالحقائق، وقصيدة تنضح لطفا ورقّةً وكلمة تُفصح عن الحكمة، يعرضها البارئ عز وجل أمام أنظار الملائكة والجن والحيوان والإنسان، ويدعوهم إلى التأمل، أي إن كل شيء هو محل مطالعة وتأمل وعبرة لكل مَن ينظر إليه من ذوي الشعور. القسم الثالث: من غاية الوجود وهدف الحياة هو: التوجه إلى ذات نفسه: كالتمتع والتلذذ وقضاء الحياة والبقاء فيها بهناء، وغيرها من المقاصد الجزئية. فمثلا: إن نتيجة عمل الملّاح في سفينة السلطان العظيمة تعود فائدتُها إليه وهي أجرتُه، وهي بنسبة واحد في المائة، بينما تسع وتسعين بالمائة من نتائج السفينة تعود إلى السلطان الذي يملكها.. وهكذا إن كانت الغاية المتوجهة إلى كل شيء بذاته وإلى دنياه واحدة، فالغاية المتوجهة إلى بارئه سبحانه هي تسع وتسعون. ففي تعدد الغايات هذا يكمن سر التوفيق بين «الحكمة والجود» أي بين الاقتصاد والسخاء المطلقين اللذين يبدوان كالضدين والنقيضين. وتوضيح ذلك: إذا لوحظت غاية بمفردها فإن الجود والسخاء يسودان آنذاك، ويتجلى اسم «الجواد»، فالثمار والحبوب حسب تلك الغاية المفردة الملحوظة لا تعد ولا تحصى. أي إنها تفيد جودا مطلقا وسخاء لا حصر له. أما إذا لوحظت الغايات كلها فإن الحكمة هي التي تظهر وتهيمن، ويتجلى اسم «الحكيم». فتكون الحِكَم والغايات المتوخاة من ثمرة لشجرة واحدة بعدد ثمار تلك الشجرة، فتتوزع هذه الغايات على الأقسام الثلاثة التي سبق ذكرها. فهذه الغايات العامة تشير إلى حكمة غير نهائية، واقتصاد غير محدد، فتجتمع الحكمة المطلقة مع الجود المطلق اللذان يبدوان كالضدين. ومثلا: إن إحدى الغايات من الجيش هي المحافظة على الأمن والنظام، فإذا نظرت إلى الجيش بهذا المنظار فسترى أن هناك عددا فوق المطلوب منه. أما إذا نظرنا إليه مع أخذنا الغايات الأخرى بنظر الاعتبار كحفظ الحدود، ومجاهدة الأعداء وغيرها، عند ذلك نرى أن العدد يكاد يفي بالحد المطلوب... فهو إذن توازن دقيق بميزان الحكمة. إذ تجتمع حكمةُ الحكومة مع عظمتها. وهكذا يمكن القول في هذه الحالة: إن الجيش ليس فوق الحد المطلوب. (المؤلف)
