هل سَمِعتَ يا صاحبي ما يقول؟ تُرى هل مِن الممكن لمن يملك كلَّ هذه القدرة الفائقة، وكل هذه الرأفة الشاملة، أن لا يعطي مبعوثه الكريم ما يرغب به، ولا يستجيب لأسمى الغايات وأنبل المقاصد؟ وهو الذي يقضي بكل اهتمامٍ أدنى رغبة لأصغر فرد من رعاياه؟ مع أن ما يطلبه هذا المبعوثُ الكريم تحقيق لرغبات الجميع ومقاصدهم، وهو من مقتضيات عدالته ورحمته ومرضاته. ثم إنه يسير عليه وهيّن، فليس هو بأصعبَ مما عرضه من نماذج في متنـزهات هذه المملكة ومعارضها.. فما دام قد انفق نفقات باهظة وأنشأ هذه المملكة لعرض نماذجه عرضا مؤقتا، فلابد أنه سيَعرِض في مقر سلطنته من خزائنه الحقيقية ومن كمالاته وعجائبه ما يبهر العقول. إذن فهؤلاء الذين هم في دار الامتحان هذه ليسوا عبثا، وليسوا سدى، بل تنتظرهم قصورُ السعادة السرمدية الخالدة، أو غياهب السجون الأبدية الرهيبة.
الصورة السادسة
الصورة السادسة
تعال، وانظر إلى هذه القاطرات الضخمة، وإلى هذه الطائرات المشحونة، وإلى هذه المخازن الهائلة المملوءة، وإلى هذه المعارض الأنيقة الجذابة.. وتأمل في الإجراءات وسير الأمور.. إنها جميعا تبيّن أن هناك سلطنة عظيمة حقا [^3] تحكم من وراء ستار. فمثل هذه السلطنة تقتضي حتما رعايا يليقون بها. بينما تُشاهد أنهم قد اجتمعوا في هذا المضيف -مضيف الدنيا- والمضيف يودّع يوميا صنوفا منهم ويستقبل صنوفا. وهم قد حضروا في ميدان الامتحان والاختبار هذا، غير أن الميدان يُبدّل كل ساعة، وهم يلبثون قليلا في هذا المعرض العظيم،
[^3]:فكما أن الجيش الهائل في ميدان المناورات أو مباشرة الحرب، يتحول إلى ما يشبه غابة أشواكٍ، بمجرد تسلّمه أمرَ: «خذوا السلاح، ركّبوا الحِراب». وكما يتحول المعسكر برمّته في كل عيد وعرض عسكري إلى ما يشبه حديقة جميلة ذات أزهار ملونة بمجرد تسلمه أمر: «احملوا شاراتكم، تقلّدوا أوسمتكم».. كذلك النباتات غير ذات الشعور والتي هي نوع من جنود غير متناهية لله سبحانه -كما أن الملائكة والجن والأنس والحيوان جنوده- فهي عندما تتسلم أمر ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ أثناء جهادها لحفظ الحياة وتؤمَر بالأمر الإلهي «خذوا أسلحتكم وعتادكم لأجل الدفاع» تهيئ الأشجارُ والشجيرات المشوكة رميحاتها، فيتحول سطحُ الأرض إلى ما يشبه المعسكر الضخم المدجج بالسلاح الأبيض فكل يوم من أيام الربيع، وكل أسبوع فيه بمثابة عيد لطائفة من طوائف النباتات، فتُظهِر كلُّ طائفة منها ما وهبه لها سلطانُها من هدايا جميلة، وما أنعم عليها من أوسمة مرصعة، فتعرض نفسَها -بما يشبه العرض العسكري- أمام نظر السلطان الأزلي وإشهاده، كأنها تسمع أمرا ربانيا: «تقلّدوا مرصعات الصنعة الربانية، وأوسمة الفطرة الإلهية التي هي الأزهار والثمار... وفتّحوا الأزهار». عندئذ يعود سطح الأرض كأنه معسكر عظيم في يوم عيد بهيج، وفي استعراض هائل رائع تزخر بالأوسمة البراقة والشارات اللماعة. فهذا الحشد من التجهيز الحكيم وهذا المدى من العتاد المنظّم وهذا القدر من التزيين البديع يُري لمن لم يفقد بصره أنه أمر سلطان قدير لا منتهى لقدرته، وأمر حاكم حكيم لا نهاية لحكمته. (المؤلف)
