مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 697 من 943
٦٩٧

مع جميع الأوعية الدموية من شرايين وأوردة وأعصاب محرّكة وحسية، ومع جميع القوى التي تنظّم الجسم كالقوة الجاذبة والدافعة والمولّدة والمصوّرة وأمثالها. فإن كان لك أيها المدَّعي علم واسع وقدرة شاملة تنشئ تلك العروق والأعصاب والقوى المودَعة في الجسم وتنسّقها وتستخدمُها في مهماتها.. وكذا إن كانت لديك حكمة شاملة وقدرة نافذة تستطيع أن تتصرف في شؤون أخواتي من خلايا الجسم كلِّها، والتي تتشابه في الإتقان والروعة النوعية، فهيا أظهرها. ثم ادّع بأنك تتمكن من صنعي. وإلّا فاغرب عنا. فإن الكريات الحمر تزودني بالأرزاق، والكريات البيض تدافع عني تجاه الأمراض المهاجمة. فليَ أعمال جسام، لا تشغلني عنها. فإنّ عاجزا قاصرا أعمى مثلَك ليس له حقُّ التدخل في شؤوننا الدقيقة أبدا؛ لأن فينا من النظام المُحكم الكامل [^4] ما لو يحكمنا غيرُ الحكيم المطلق والقديـــر المطلق والعليم المطلق لـفـسد نظامُنا وانفرط عقدُنا».

[^4]:إن الصانع الحكيم قد خلق جسم الإنسان على هيئة مدينة منسقة ومنتظمة جدا. فقسم من العروق يقوم بمهمة التلغراف والتلفون، وقسم منها بمثابة الأنابيب التي تأتي بالماء من الينابيع فيسير فيها الدم، ذلك السائل الباعث على الحياة.. والدم نفسه قد خلق فيه قسمان من الكريات، يطلق على إحداهما الكريات الحمر التي تقوم بتوزيع الأرزاق إلى حجيرات البدن، فتوصل إليها أرزاقها بقانون إلهي مثلما يقوم موظفو الأرزاق وتجّارها بالتوزيع. والقسم الآخر هو الكريات البيض التي هي أقل عددا من الأولى، وتقوم بالدفاع عن الجسم تجاه الأمراض متخذة وضعا سريعا عجيبا بنوعين من الدوران والحركة -كالمريد المولوي- حالما تدخل حومة المعركة.. أما مجموع الدم فله وظيفتان عامتان: الأولى: تعمير الحجيرات المتهدمة في الجسم وترميمها.. والأخرى: تنظيف الجسم بجمع النفايات وأنقاض الخلايا. وهناك قسمان من العروق أيضا، يطلق على أحدهما الشرايين التي تقوم بنقل الدم الصافي وتوزيعه، فهي بحكم مجاري الدم النقي الصافي.. والآخر: هو مجاري الدم الفاسد الذي يجمع النفايات الضارة والأنقاض، ويأتي بها إلى الرئة التي هي مركز التنفس. إن الصانع الحكيم قد خلق عنصرين في الهواء أحدهما: الآزوت، والآخر: مولد الحموضة (الأوكسجين) فهذا الأخير ما إن يلامس الدم في أثناء التنفس حتى يجذب إليه الكربون الكثيف الذي لوّث الدم محولا إياه إلى مادة سامة يطلق عليها «حامض الكربون البخاري» (ثنائي أوكسيد الكربون) وبهذا يقوم بتنقية الدم وتصفيته، فضلا عن أنه يضمن الحرارة الغريزية للجسم. ذلك لأن الصانع الحكيم قد وهب لمولد الحموضة والكربون علاقة شديدة تلك التي يطلق عليها (الألفة الكيمياوية) بحيث ما إن يقتربان حتى يمتزجا معا بقانون إلهي، فتتولد الحرارة من هذا الامتزاج كما هو ثابت علما، إذ الامتزاج نوع من احتراق. وحكمة هذا السر هي ما يأتي: إن لذرات كل عنصر من العناصر حركات مختلفة، فأثناء الامتزاج، تمتزج الحركتان معا وتتحرك الذرتان حركة واحدة، وتظل حركة واحدة معلقة، سائبة، فتنطلق، بقانون الصانع الحكيم، على صورة حرارة. ومعلوم أن الحركة تولد الحرارة، كما هو ثابت ومقرر. وبناء على هذا السر، فكما تتحقق حرارة الجسم الغريزية بهذا الامتزاج الكيمياوي، يتصفى الدم أيضا عندما يُسلب منه الكربون. وهكذا ينقي الشهيق ماء حياة الجسم ويشعل نار الحياة. أما الزفير فإنه يثمر الكلمات المنطوقة من الفم، التي هي معجزات القدرة الإلهية، فسبحان من تحير في صنعه العقول. (المؤلف)

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.