مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 692 من 943
٦٩٢

تصديقا لرسالة رسوله الحبيب ﷺ، وإعلانا عن صدقِ دعوتِه، فأبرزه سبحانه وتعالى وفقَ حكمته وبمقتضى سرِّ الإرشاد والتكـليف وحكمة تبليغ الرسالة، وليقيم الحجةَ على من شاء من المشاهدين له، بينما أخفاه، اقتضاءً لحكمته سبحانه ومشيئته، عمن لم تبلغهم دعوةُ نبيه ﷺ من الساكنين في أقطار العالم، وحَجَبه عنهم بالغيوم والسحاب وباختلاف المطالع وعدم طلوع القمر، أو شروق الشمس في بعض البلدان وانجلاء النهار في أخرى، وغروب الشمس في غيرها.. وأمثالها من الأسباب الداعية إلى حَجب رؤيةِ الانشقاق.

فلو أُظهرت المعجزةُ إلى جميع الناس في العالم كلِّه، فإما أنها كانت تبرز لهم نتيجةَ إشارة الرسول الأعظم ﷺ وإظهارا لمعجزة نبوية، وعندها تصل إلى البداهة، أي يضطرُّ الناسُ كلُّهم إلى التصديق، أي يُسلَب منهم الاختيار، فيضيع سرُّ التكليف. بينما الإيمانُ يحافظ على حرية العقل في الاختيار ولا يسلبها منه.. أو أنها تبرز لهم كحادثةٍ سماوية محضة، وعندها تنقطع صلتُها بالرسالة الأحمدية ولا تبقى لها مزيّة خاصة.

الخلاصة: إنّ انشقاق القمر لا ريب فيه. فلقد أثبت إثباتا قاطعا. وسنشير هنا إلى وقوعه بستة براهينَ قاطعة [^7] من بين الكثير منها، وهي: إجماعُ الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين وهم العدول. واتفاقُ العلماء المحققين من المفسرين لدى تفسيرهم: ﴿ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ . ونقلُ جميع المحدّثين الصادقين في رواياتهم وقوعَه بأسانيد كثيرة وبطرق عديدة. [^8] وشهادةُ جميع أهل الكشف والإلهام من الأولياء الصادقين الصالحين. وتصديقُ أئمة علم الكلام المتبحرين رغم تباين مسالكهم ومشاربهم. وقبول الأمة التي لا تجتمع على ضلالة كما نص عليه الحديث الشريف. [^9]

[^7]:أي إن هناك ست حجج قاطعة على وقوع انشقاق القمر في ستة أنواعٍ من الإجماع. ولكن للأسف لم نوف هذا المقام حقّه من البحث فظل مقتضبا. (المؤلف).

[^8]:نذكر ثلاثة أحاديث متفق عليها: ١. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقين فقال النبي ﷺ: «اشهدوا». (متفق عليه). ٢. وعن انس رضي الله عنه: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر. (متفق عليه). ٣. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن القمر انشق في زمان النبي ﷺ. (متفق عليه). راجع: مسند الإمام أحمد ١/ ٣٧٧، ٤١٣، ٤٤٧، ٤٥٦، ٢٠٧/٣، ٢٢٠، ٢٧٥، ٢٧٨، ٨١/٤ ورواه الطيالسي برقم ٢٩٥، ١٨٩١، ١٩٦٠. وتفسير ابن كثير (٤٦٩/٦) لمعرفة تواتر الحادثة.

[^9]:قال رسول الله ﷺ: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (كشف الخفاء ٣٥٠/٢: أبو داود، الفتن والملاحم ١؛ الترمذي، الفتن ٧؛ ابن ماجه، الفتن ٧؛ الدارمي، المقدمة ٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣٩٦/٦؛ الحاكم، المستدرك ٢٠/١).

كل ذلك يبيّن انشقاق القمر ويثبته إثباتا قاطعا يضاهي الشمسَ في وضوحها.

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.