مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 67 من 943
٦٧

من كل مكان، بل يَمنح سبحانه أضعفَهم وأشدّهم عجزا ألطفَ الأرزاق وأحسنها، ويسعف كل مريض بما يداويه.. وهكذا يجد كل ذي حاجة حاجته من حيث لا يحتسب.. فهذه الضيافة الفاخرة الكريمة، والإغداق المستمر، والكرم السامي، تدلّنا بداهة، أن يدا كريمة خالدة هي التي تعمل وتدير الأمور.

فمثلا: إن إكساء الأشجار جميعا بحلل خضر شبيهة بالسندس -كأنها حور الجنة- وتزيينَها بمرصعات الأزهار الجميلة والثمار اللطيفة، وتسخيرَها لخدمتنا بإنتاجها ألطفَ الأثمار المتنوعة وألذها في نهايات أغصانها التي هي أيديها اللطيفة.. وتمكيننا من جني العسل اللذيذ -الذي فيه شفاء للناس- من حشرة سامة.. وإلباسَنا أجمل ثياب وأليَنها مما تحوكه حشرة بلا يد.. وادّخار خزينة رحمة عظيمة لنا في بذرة صغيرة جدا.. كل ذلك يرينا بداهةً كرما في غاية الجمال، ورحمة في غاية اللطف.

وكذا، إن سعي جميع المخلوقات، صغيرِها وكبيرها -عدا الإنسان والوحوش الكاسرة- لإنجاز وظائفها بانتظام تام ودقة كاملة، ابتداءً من الشمس والقمر والأرض إلى أصغر مخلوق، بشكل لا يتجاوز أحد حدّه قيد أنملة، ضمن الطاعة التامة والانقياد الكامل المحفوفَين بهيبة عظيمة، يظهر لنا أن هذه المخلوقات لا تتحرك ولا تسكن إلّا بأمر العظيم ذي العزة والجلال.

وكذا، إن عناية الأمهات بأولادهن الضعاف العاجزين -سواء في النبات أو الحيوان أو البشر- عناية ملؤها الرأفة والرحمة، [^8] وتغذيتها بالغذاء اللطيف السائغ من اللبن، تريك عظمة التجليات، وسعة الرحمة المطلقة.

[^8]:نعم، إن إيثار الأسد الجائع شبله الضعيف على نفسه بما يظفر به من قطعة لحم، وهجوم الدجاج الجبان على الكلب والأسد حفاظا على فراخه الصغيرة. وإعداد شجرة التين لصغارها -التي هي ثمارها- لبنا خالصا من الطين.. كل ذلك يدل بداهة -لأهل البصائر- على أنها حصلت بأمر الرحيم الذي لا نهاية لرحمته، والكريم الذي لا نهاية لكرمه، والرؤوف الذي لا نهاية لرأفته وشفقته. وأن قيام النباتات والحيوانات -التي لا وعي لها ولا شعور- بأعمال في منتهى الوعي والشعور والحكمة، يبين بالضرورة أن عليما مطلقا وحكيما مطلقا هو الذي يسوقها إلى تلك الأعمال، وهي بأمره تأتمر. (المؤلف)

فما دام رب هذا العالم ومدبّره له هذا الكرم الواسع، وهذه الرحمة التي لا منتهى لها، وله الجلال والعزة المطلقان، وأن العزة والجلال المطلقين يقتضيان تأديب المستخفّين، والكرم

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.