في الربوبيات، لَزم البَتَّة لمَن عرفَه سبحانه في واحدٍ مما مرّ من الأسماء والعناوين والربوبية ألّا ينكر سائر الأسماء والعناوين والشؤون، بل يفهم بداهة أنه هو هو. وإلّا يتضرر إن ظل محجوبا عن تجليات الأسماء الأخرى ولم ينتقل من تجلي اسمٍ إلى آخر.
فمثلا: إذا رأى أثرَ اسمِ الخالق القدير، ولم يرَ أثر اسم العليم، يسقط في ضلالة الطبيعة، لذا عليه أن يجول بنظره فيما حولَه ويرى أن الله هو هو، ويشاهد تجلّيه في كل شيء. وأن تسمع أذنُه من كل شيء: ﴿ قُلْ هُوَ اللّٰهُ اَحَدٌ ﴾ وينصت إليه. وأن يردد لسانُه دائما: لا إله إلّا الله، ويعلن «لآ إلَه إلّا هُو بَرَابَرْ ميزَنَدْ عَالَمْ».
وهكذا يشير القرآن الكريم بهذه الآية الكريمة ﴿ اَللّٰهُ لَٓا اِلٰهَ اِلَّا هُوَۜ لَهُ الْاَسْمَٓاءُ الْحُسْنٰى ﴾ (طه: ٨) إلى الحقائق التي ذكرناها.
فإن كنت تريد أن تشاهد تلك الحقائق الرفيعة عن قُرب، فاذهب إلى بحرٍ هائج، وإلى أرضٍ مهتزّة بالزلازل، وأسألهما: ما تقولان؟ ستسمع حتما أنهما يناديان: يا جليل.. يا جليل.. يا عزيز.. يا جبار... ثم اذهب إلى الفراخ والصغار من الحيوانات، التي تعيش في البحر أو على الأرض، والتي تُربّى في منتهى الشفقة والرحمة، وأسألها: ما تقولين؟ لابد أنّها تترنم: يا جميل.. يا جميل.. يا رحيم.. يا رحيم. [^1] ثم أنصت إلى السماء كيف تنادي: يا جليل ذو الجمال! وأعِرْ سمعَك إلى الأرض كيف تردد: يا جميل ذو الجلال. وتصنّت للحيوانات كيف تقول: يا رحمن
[^1]:حتى إنني لاحظت القطط وتأملت فيها، فرأيت أنها بعدما أكلت ولعبت، نامت. فورد إلى ذهني سؤال: لِمَ يُطلق على هذه الحيوانات الشبيهة بالمفترسة، حيوانات مباركة طيبة؟ ثم في الليل اضطجعتُ لأنام وإذا بقطة من تلك القطط جاءت واستندتْ إلى مخدتي وقرّبت فمها إلى أذني، وذكرت الله ذكرا صريحا باسم: «يا رحيم.. يا رحيم.. يا رحيم» وكأنها ردّت ما ورد من الاعتراض والإهانة باسم طائفتها. فورد إلى عقلي: تُرى هل إن هذا الذِكر خاص بهذه القطة فقط أم بطائفة القطط عامة؟ وإن استماع ذكرِها، هل هو خاص بي ومنحصر لمعترض بغير حق مثلي، أم أنّ كل إنسان يستطيع الاستماع إلى حد، لو أعار سمعه إليها؟ وفي الصباح بدأتُ أنصت إلى القطط الأخرى، كانت تكرر الذكر نفسَه بدرجات متفاوتة وإن لم يكن صريحا مثل الأولى. إذ في بداية هريرها لا يتميز هذا الذكر ثم يمكن تمييز: يا رحيم.. يا رحيم.. في الهرير، ثم يتحول هريرُها كله إلى «يا رحيم» نفسه. فتذكر الله ذكرا حزينا فصيحا دون إخراج للحروف حيث تسد فمها وتذكر الله ذكرا لطيفا بـ: «يا رحيم». ذكرتُ الحادثة نفسَها للذين أتوا لزيارتي، وهم بدورهم بدؤوا يلاحظون الأمر. ثم قالوا: نسمع الذِكر إلى حدٍ ما، ثم ورد بقلبي: ما وجهُ تخصيص هذا الاسم: يا رحيم؟ ولِمَ تذكر القططُ هذا الاسم بالذات بلهجة لسان الإنسان ولا تذكره بلسان الحيوانات. فورد: أن القط حيوان رقيق لطيف كالطفل الصغير، يختلط مع الإنسان في كل زاوية من مسكنه، حتى كأنه صديقُه فهو محتاج إذن إلى مزيد من الشفقة والرحمة. فعندما يُلاطَف ويُستأنس به يحمد الله تاركا الأسباب، بخلاف الكلب، ومُعلنا في عالمه الخاص رحمةَ خالقه الرحيم، فيوقظ بذلك الذكر الإنسانَ السادر في نوم الغفلة. وبنداء «يا رحيم» ينبّه عَبَدة الأسباب قائلا: ممن يَرِدُ المدد والعون وممن يُتوقع الرحمة؟ (المؤلف).
