يا بَني إسرائيل ويا بَني آدم! إنّكم بقساوة قلوبكم تعصون أوامر ربٍّ جليل، وبغفلتكم عنه تغمضون عيونَكم عن نور معرفة ذلك النور المصوِّر الذي حوّل أرضَ مصر إلى جنة وارفة الظلال وأجرى النيل العظيم المبارك وأمثاله من الأنهار من أفواه أحجار صلدة بسيطة مُظهرا معجزات قدرته وشواهد وحـدانيته قوية بقوة تلك الأنهار العظيمة ونيّرة بشدة ظهورها وإفاضاتها. فيضع تلك الشواهد في قلب الكائنات ويسلّمها إلى دماغ الأرض، ويسيّلها في قلوب الجن والإنس وفي عقولهم.
ثم إنّه سبحانه وتعالى يجعل صخورا جامدة لا تملك شعورا قط [^4] تنال معجزات قدرته حتى إنّها تدل على الفاطر الجليل كدلالة ضوء الشمس على الشمس. فكيف لا ترون وتعمى أبصاركم عن رؤية نور معرفته جل جلاله؟
[^4]:ينبع نهر النيل من جبل القمر، وينبع أهم رافد لدجلة من كهف صخرة في ناحية «مكس» التابعة لمحافظة «وان» وإن أعظم رافد لنهر الفرات ينبع من سفح جبل من جهة «ديادين». ولما كان أصل الجبال -حقيقة- متكونة من مادة مائعة تجمدت أحجارا كما هو ثابت في العلوم الحديثة، وكما يدل عليه الذكر النبوي في: «سبحان من بسط الأرض على ماء جَمَدْ» مما يدل دلالة قاطعة على أن أصل خلق الأرض على الوجه الآتي: إن مادة شبيهة بالماء قد انجمدت بالأمر الإلهي وأصبحت حجرا، والحجرُ أصبح ترابا بإذن إلهي، إذ لفظ الأرض الوارد في الذكر يعني التراب. بمعنى أن ذلك الماء (المادة المائعة) لين لطيف جدا بحيث لا يمكن استقرار شيء عليه. والحجر بذاته صلب جدا لا يمكن الاستفادة منه، لذا نشر الحكيم الرحيم التراب فوق الحجر ليكون مستقرا لذوي الحياة. (المؤلف)
فانظر! كيف لَبِسَتْ هذه الحقائق الثلاث حلل البلاغة الجميلة، ودقِّق النظرَ في بلاغة الإرشاد لترى مدى القساوة والغلظة التي تملك القلوب ولا تنسحق خشية أمام ذلك الإرشاد البليغ.
فإن كنت قد فهمت من بداية هذه الكلمة إلى نهايتها، فشاهد لمعةَ إعجاز أسلوب الإرشاد القرآني واشكر ربك العظيم عليه.
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَٓا اِلَّا مَا عَلَّمْتَنَاۜ اِنَّكَ اَنْتَ الْعَل۪يمُ الْحَك۪يمُ ﴾
اَللّهمَّ فَهِّمْنَا أسْرَارَ الْقُرآنِ كَمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى وَوَفِّقْنَا لِخِدْمَتِهِ.. آمِينَ
بِرَحْمَتِكَ يَا اَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اَللّهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَن أنـزِلَ عَلَيهِ الْقُرآنُ الْحَكِيم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
