مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 203 من 943
٢٠٣

في عوالم الآخرة من مصنوعات.. و مصنع يعمل بسرعة فائقة لإنتاج المنسوجات الأبدية والمناظر السرمدية المتبدلة بسرعة.. وهي مزرعة ضيقة مؤقتة لاستنبات بذور البساتين الدائمة الخالدة.

ومن هذه العظمة المعنوية للأرض [^3] وأهميتها من حيث الصنعة، جعلها القرآن الكريم كُفؤا للسماوات وعدلا لها، مع أنها بالنسبة للسماوات كالثمرة الصغيرة بشجرتها الضخمة، فيجعلها في كفةٍ والسماوات في كفة أخرى، فيكرر الآية الكريمة ﴿ رَبُّ السَّمٰوَاتِ وَالْاَرْضِ ﴾.

[^3]:نعم، إن الأرض مع صغرها يمكن أن تعدل السماوات، لأنه يصح القول: إن نبعا دائم العطاء هو أكبر من بحيرة لا يجنى منها شيء. ثم إنه إذا كيل شيء ما بمكيال، ووضع جانبا، ثم كيلت محاصيله بالمكيال نفسه، ووضعت إلى جانب آخر، فمهما كانت هذه المواد أضخم وأكبر من المكيال نفسه، ولو بألوف المرات ظاهرا، إلّا أن المكيال يمكن أن يعادل ذلك الجسم ويقارن معه. كذلك الأرض، فقد خلقها سبحانه وتعالى: مشهر صنعته، محشر إيجاده، مدار حكمته، مظهر قدرته، مزهر رحمته، مزرعة جنته، مكيل الموجودات -أي وحدة قياس لعوالم المخلوقات- وخلقها نبعا فياضا تسيل منه «الموجودات» إلى بحار الماضي وإلى عالم الغيب. وخلقها بحيث يبدّل عليها سنويا أثوابها المنسوجة ببدائع صنعه، يبدلها الواحدة تلو الأخرى، بمئات الألوف من الأنواع والأشكال. والآن خذ أمام نظرك تلك العوالم الكثيرة التي تصب في عالم الغيب، وتلك الأثواب الكثيرة جدا التي تلبسها الأرض وتنزعها، أي افترض جميع ما في الأرض حاضرا، ثم قابلها مع السماوات التي هي على وتيرة واحدة، وبساطة غير معقدة، ووازن بينهما، تر أن الأرض، إن لم تثقل على كفة السماوات فلا تبقى قاصرة عنها. ومن هنا تفهم سر الآية الكريمة: ﴿ رَبُّ السَّمٰوَاتِ وَالْاَرْضِ ﴾ . (المؤلف)

ثم إن تحول الأرض السريع، وتغيّرها الدائم -بناء على هذه الحكم المذكورة- يقتضي أن تطرأ على أهليها أيضا تحولات مماثلة لها. وكذا إن الأرض مع محدوديتها، نالتْ من تجليات القدرة الإلهية المطلقة، وذلك بعدم تحديد قوى أهليها ذوي الشأن وهما الجن والإنس؛ بحدّ فطري أو قيدٍ خلقي كما هو في سائر ذوي الحياة. لذا غدت الأرض معرضا لرقيٍّ لا نهاية له ولتدنٍ لا غاية له. فابتداءً من الأنبياء والأولياء وانتهاءً بالنماردة الطغاة والشياطين ميدان واسع جدا للامتحان والاختبار.

ولما كان الأمر هكذا فإنّ الشياطين المتفرعنة ستقذف السماء وأهلها بشراراتها غيرِ المحدودة.

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.