وهو أوثق صلة مع موجودات الكون كله، لا شك أنه يشير بالبداهة إلى وجود عالم باقٍ بعد هذا العالم الفاني، وإلى وجود عالم الآخرة ودار السعادة الأبدية.
فجميع هذه الدلائل تثبت بقطعية تامة -إلى حدّ يستلزم القبول- وجود الآخرة بمثل بداهة وجود الدنيا. [^36]
[^36]:إن مدى السهولة في إخبار «الأمر الثبوتي» ومدى الصعوبة والإشكال في «نفي وإنكار» ذلك، يظهر في المثال الآتي:إذا قال أحدهم: إن هناك -على سطح الأرض- حديقة خارقة جدا ثمارها كعلب الحليب، وأنكر عليه الآخر قوله هذا قائلا: لا، لا توجد مثل هذه الحديقة. فالأول يستطيع بكل سهولة أن يثبت دعواه. بمجرد إراءة مكان تلك الحديقة أو بعض ثمارها. أما الثاني (أي المنكر) فعليه أن يرى ويُري جميع أنحاء الكرة الأرضية لأجل أن يثبت نفيه، وهو عدم وجود مثل هذه الحديقة. وهكذا الأمر في الذين يخبرون عن الجنة، فإنهم يُظهرون مئات الآلاف من ترشحاتها، ويبيّنون ثمارها وأثارها، علما أن شاهدين صادقين منهم كافيان لإثبات دعواهم، بينما المنكرون لوجودها، لا يسعهم إثبات دعواهم إلاّ بعد مشاهدة الكون غير المحدود، والزمن غير المحدود، مع سبر غورهما بالبحث والتفتيش، وعند عدم رؤيتهم لها، يمكنهم إثبات دعواهم! فيا من بلغ به الكبر عتيا ويا أيها الإخوة! اعلموا ما أعظم قوة الإيمان بالآخرة وما أشد رصانته!.(المؤلف).
فما دام أهم درس يلقننا القرآن إيّاه هو «الإيمان بالآخرة» وهذا الدرس رصين ومتين إلى هذه الدرجة، وفي ذلك الإيمان نور باهر ورجاء شديد وسلوان عظيم ما لو اجتمعت مائة ألف شيخوخة في شخص واحد لكفاها ذلك النور، وذلك الرجاء، ذلك السلوان النابع من هذا الإيمان؛ لذا علينا نحن الشيوخ أن نفرح بشيخوختنا ونبتهج قائلين: «الحمد لله على كمال الإيمان».
