الفصل السادس
الفصل السادس
في منفى قسطموني
(المدرسة النورية الثانية)
١٩٣٦-١٩٤٣م
١٩٣٦-١٩٤٣م
مدرسة نورية ثانية
«عندما ساقوني منفياً إلى قسطموني بعد أن أكملت سنة محكوميتي في سجن «أسكي شهر» [^179] وأنا الشيخ الهرم، مكثت موقوفاً هناك في مركز الشرطة حوالي ثلاثة أشهر. ولا يخـفى عليكم مدى الأذى الذي يلحق بمثلي في مثل هذه الأماكن، وقد انعزل عن الناس، ولا يتحمل البقاء حتى مع أصدقائه الأوفياء، ولا يطيق أن يبدل زيّه الذي اعتاد عليه. [^180]
[^179]:في ٢٧/ ٣/ ١٩٣٦.
[^180]:حيث أُكره الناس على لبس القبعة والزي الأوروبي بعد صدور (قانون القيافة).
فبينما كان اليأس يحيط بي من كل جانب، إذا بالعناية الإلهية تغيث شيخوختي، إذ أصبح أفراد الشرطة المسؤولون في ذلك المخفر بمثابة أصدقاء أوفياء، حتى كانوا يخرجونني متى شئت للاستجمام والتجوال في سياحة حول المدينة وقاموا بخدمتي كأي خادم خاص، فضلاً عن أنهم لم يصروا عليّ بلبس القبعة مطلقاً.
ثم دخلتُ المدرسة النورية التي كانت مقابل ذلك المخفر في قسطموني [^181] وبدأت بتأليف الرسائل، وبَدأ كلٌ مِن «فيضي وأمين وحلمي وصادق ونظيف وصلاح الدين» وأمثالهم من أبطال النور [^182] يداومون في تلك المدرسة لأجل نشر الرسائل وتكثيرها، وأبدوا
[^181]:بيت صغير يقع أمام المخفر مباشرة، لكي يكون تحت المراقبة الدائمة، كان البيت مؤلفاً من طابقين: الطابق الأرضي مخزن للوقود، أما الطابق الثاني فكان مكوناً من غرفتين، وكان بديع الزمان يدفع إيجار هذا البيت بنفسه.
[^182]:هؤلاء الطلاب تعارفوا مع الأستاذ النورسي وعملوا لرسائل النور بعد سنتين من نفي الأستاذ إلى قسطموني أي سنة ١٩٣٨ إلا أمين جاير وهو من أشراف العشائر الكردية في الولايات الشرقية، ومن بين المنفيين إلى قسطموني، نصب له زاوية صغيرة لعمل الشاي للناس فاشتهر بـ«أمين جايجي» هداه إخلاصه إلى التعرف على الأستاذ النورسي. كان المحور في نشر الرسائل.. لازم الأستاذ النورسي في أغلب أوقاته في قسطموني. ثم سجن معه في سجن دنيزلي، توفي رحمه الله في «وان» عام ١٩٦٧ حيث مسقط رأسه. وقد تعارف مع الأستاذ بهذه الوسيلة: «في أحد الأيام وقع بصري على رجل عليه ملامح الوقار والعلم، فتوجهت نحوه وبعد السلام عليه سألته: «من أين أنت؟» أجابني: «لا تقترب مني فرجال الشرطة يراقبونني، أخشى أن يصيبك منهم أذى». وكان ما في هذا اللقاء من صدق وإخلاص كافيين في جذبي إليه، والبحث عنه في كل مكان في المدينة، حتى وجدته في مركز الشرطة الكائن في السوق. وعرفت بعد ذلك أنه يصعد أحياناً إلى قلعة «قسطموني» واحد أفراد الشرطة يتعقبه. فذات يوم جاءني شرطي ودعاني إلى القلعة حيث الأستاذ هناك، وعندما التقينا قال للشرطي: «أخي! إن هذا الرجل من معارفي، فلو سمحت لنا أن نتحدث معاً.. ابتعد الشرطي عنا وبدأ الأستاذ يشرح لي وضعه وظروفه الصعبة واعتلال صحته من أثر السم الذي دس له في الطعام. ثم قال انه محتاج إلى شيء من السكر والشاي وما إلى ذلك من الحوائج». وقال: «إنهم لا يسمحون لأحد من الناس أن يراني، فأنا أريد أن أقول للمفوض بأنني أرغب في بيع فراشي لكي يكون هذا البيع وسيلة اتصال بيني وبينك إلى أن تحل هذه المعضلة». فمد يده إلى جيبه وأخرج ثلاث ليرات ذهبية ووضعها في يدي وقال: «إن هذه الليرات الذهبية من بقايا أيام الحرب العالمية الأولى، كنت أحتفظ بها منذ سنوات طويلة. فخذها واصرفها حسب احتياجاتي». قلت له: «إن حالتي المعاشية جيدة ولا أحتاج إلى نقودك». فأجابني بقوله: «إنني لا أقبل شيئاً دون مقابل». فأخذت القطع الذهبية وبدلت إحداها في السوق بالنقود المتداولة الحالية، وفي اليوم التالي ناداني المفوض وقال: إن هذا الأستاذ يريد أن يبيع فراشه. فهل تشتري فراشه؟ فأجبته: نعم. ثم قال: «كيف تعرف هذا الرجل؟ ومن أين؟» أجبت: «إنه أحد معارفي السابقين وكثيراً ما كان يرى بعضنا البعض الآخر». وبعدما أبديت رغبتي واستعدادي لشراء الفراش أخذني الشرطي إلى المركز لمقابلة الأستاذ وهو في الطابق الثاني. فرأيت الفراش وقدّرته بثمن خمس وعشرين ليرة وأجّرته للأستاذ مرة أخرى فقلت: «على شرط أن يدفع لي ثمن المبيت عليه يومياً». وهكذا أصبحت بواسطة هذا الفراش أذهب إلى المركز يومياً بحجة استلام الأجرة، فآخذ معي ما يحتاجه الأستاذ من ضروريات». ذكريات عن سعيد النورسي ص٤٦.
