مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 289 من 654
٢٨٩

سادساً: إن الذين أحبوكم لله ويستوضحون منكم أموراً حول كتاباتكم القيمة وتقريراتكم في مجالسكم العلمية من مسائل متنوعة لم تُدرج كلها في الكلمات. مما تبين بقطعية تامة أن الحاجة لم تنته بعد، والخدمة الإيمانية لم تبلغ نهاية المطاف». [^145]

[^145]:الملاحق، ملحق بارلا.

السبيل إلى نشر «رسائل النور»

السبيل إلى نشر «رسائل النور»

الاستنساخ اليدوي

كان تأليف رسائل النور ونشرها شيئاً متميزاً وفريداً في تاريخ الدعوة الإسلامية المعاصرة، ذلك لأن الأستاذ سعيد النورسي لم يكن يكتب كثيراً من رسائله بيده لكونه نصف أمّي -من حيث قدرته على الكتابة- وإنما كان يملي أغلب هذه الرسائل على بعض طلابه في حالات من الجيشان الروحي والوجداني، وبعد ذلك تتداول النسخة الأصلية بين الطلاب الذين يقومون بدورهم باستنساخها باليد، ثم ترجع هذه النسخ جميعها إليه، [^146] لكي يقوم بتدقيقها واحدة واحدة، وتصحيح أخطاء الاستنساخ إن وجدت، ولم يكن لديه أية كتب أو مصادر يرجع إليها أثناء التأليف سوى القرآن الكريم، وقد ساعده على ذلك ما وهبه الله من ذاكرة خارقة وقدرة عجيبة على الحفظ.

[^146]:يقول عبد الله جاويش (١٨٩٥-١٩٦٠) وهو من السابقين في هذه الخدمة القرآنية: «كنت أغادر قرية «إسلام» بعد المغيب حاملا في حقيبتي الرسائل التي استنسخها «الحافظ علي» وأسير الليل كله مشياً على الأقدام بين الجبال والوديان حتى أصل مع الفجر إلى «بارلا» وأرى الأستاذ في انتظاري، ويستقبلني بسرور بالغ. نصلي الفجر معاً. ثم أستسلم للنوم.. وهكذا كنت أتسلم في اليوم التالي المسودات من الأستاذ، وأغادر «بارلا» ليلاً لأصل «قرية إسلام» فأسلّم المسودات إلى الحافظ علي». ذكريات عن سعيد النورسي ص٣٣.

بقيت رسائل النور عشرين سنة تنتشر بهذه الطريقة، وبعد ذلك طبعت لأول مرة بـ«الرونيو» ولم يقدّر لها أن تطبع في المطابع الاعتيادية إلّا سنة ١٩٥٦م هذا باستثناء رسالة الحشر، التي طُبعتْ منها خفية في إسطنبول بوساطة أحد طلاب النور. [^147]

[^147]:T.Hayat, Barla hayatı

كانت الحروف العربية قد بدّلت إلى حروف لاتينية، وحظر الطبع والنشر بها، وأغلقت مطابعها، فكانت هذه الطريقة «طريقة الاستنساخ» باليد سراً هي الطريقة الوحيدة والعملية لنشر مؤلفات رجل منفي ومراقب، قد سدت في وجهه جميع سبل التأليف والنشر، وخاصة وأنه كان يريد -بالإصرار على الكتابة بالحروف العربية- المحافظة عليها من الاندثار والنسيان. [^148]

[^148]:يذكر عبد الله جاويش ايضاً: «ذات يوم جئت إلى الأستاذ، وإذا بالحافظ علي وعدد من الطلاب عنده، بدأ الأستاذ يوزع أجزاء من القرآن الكريم عليهم ليستنسخوه مع تعليمات بكيفية الاستنساخ، وحيث أنا أمّي لا أعرف الكتابة والقراءة، قمت لأهيء الشاي لهم كي أشاركهم في الأجر ولكن ما إن أتيت بالشاي لأوزعه عليهم حتى نهض الأستاذ وأخذ الشاي مني وبدأ هو بالتوزيع فخجلت، إذ كيف يوزع الأستاذ الشاي على طلابه! ولكني سكتّ أمام إلحاحه الشديد... ثم قال: إن استنساخكم أجزاء من القرآن الكريم، وسعيكم في سبيل القرآن مقبول عند الله الذي يراكم في وضعكم هذا. وملائكته الكرام يلتقطون صوركم في أوضاعكم هذه، وأنا لكوني خادماً للقرآن الكريم ينبغي أن أقوم بخدمتكم.. فوزع عليهم الشاي وهم منهمكون بالاستنساخ». ذكريات عن سعيد النورسي ص٣٣.

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.