سنة ١٩٢٥م/ ١٣٤٢ هـ
سنة ١٩٢٥م/ ١٣٤٢ هـ
اعتقال ونفي
«عندما كنت منشغلا بإلقاء دروس في حقائق القرآن على طلابي في مدينة «وان» كانت حوادث «الشيخ سعيد» [^82] تقلق بال المسؤولين في الدولة. وعلى الرغم من ارتيابهم من كل
[^82]:يذكر الملا حميد الذي لازم الأستاذ النورسي في «وان» وجبل «أرَك» هذا الحوار ذا المغزى العميق الذي جرى بين الأستاذ النورسي وحسين باشا وهو شيخ عشيرة «حيدران» عيّنه السلطان عبد الحميد الثاني برتبة ميرآلاي إبان إنشاء القوات الحميدية في شرقي الأناضول. وأحرز انتصارات باهرة على القوات الروسية والأرمنية وكبّدهم خسائر فادحة، فرفعته حكومة الاتحاد والترقي والسلطان رشاد إلى رتبة أمير اللواء، وقد ساعد على إنشاء مدارس في شرقي البلاد قبل الحرب العالمية، اشتهر بعدالته وتوقيره العلماء، وعقد مع الأستاذ النورسي عقد أخوة أخروية، وعلى الرغم من عدم تدخله في ثورة الشيخ سعيد پيران نفي مع غيرهم إلى قيصري ولكنه لم يتحمل حياة المنفى فهرب إلى سورية بعد سنتين وظل فيها سنة حتى جاءه المدعو «مدني» وأقنعه بالعودة إلى البلاد مدعياً أن الحكومة أصدرت قراراً بالعفو العام عن المنفيين. ولدى العودة مع إبنيه وفي أثناء أدائهم الصلاة أرداهم قتيلاً. رحمهم الله. يقول الملا حميد: «كنا مع الأستاذ في جبل أرك في صومعة خربة.. وذات يوم أتى حسين باشا مع اثنين من مرافقيه لزيارة الأستاذ، وبعد أن ربطوا أفراسهم بالأشجار الموجودة في باب الصومعة الخربة دخلوا على الأستاذ وجثوا أمامه في أدب جمّ وقبلوا يده. كان حسين باشا طويل القامة مهيب الهيئة متقلداً شارات وميداليات خاصة بالباشوات في ذلك الوقت. أخرج منديلاً فيه ما يقدر بنصف كيلو من الذهب ووضعه في موضع في الأرض. فسأله الأستاذ: «وما ذلك؟» قال: «فداك روحي، إنها زكاتي جئت بها إليكم، أخرجتها من خالص أموالي!» الأستاذ: «ألم تجد أحداً ممن حولك، من أقربائك، من قريتك، حتى أتيت بها إلى هاهنا؟» حسين باشا: «سيدي إن أقاربي ومن حولي كلهم أغنياء، لا فقير فيهم، فرأيت أنكم مستحقوها». الأستاذ: «لا يجوز نقل الزكاة. فلِمَ أتيت بها وتجاوزت كثيراً من القرى والأرياف!» حسين باشا: «يا سيدي! أرجو أن تقبل بضع قطع منها في الأقل وأنفقها على من معك من الطلاب». الأستاذ: «كلا لا يمكن هذا.. لا حاجة لي إلى الزكاة».. وهكذا ردّها ولم يقبلها وبعد قليل خاطبه حسين باشا قائلاً: «سيدي أودّ أن أستشيركم في أمر خاص، أرجو أن تأذن لطلابك بالخروج. لأني أريد أن أتحدث معكم حديثاً خاصاً». الأستاذ: «لا يمكن.. فهؤلاء، جزءٌ من كياني، لا يفارقونني. أوضح ما عندك». حسين باشا: «سيدي أرجو أن تأذن لنا بالثورة (مع الشيخ سعيد) فنحن مستعدون». الأستاذ: «لِمَ تقومون بالثورة؟ إن كان لزيد وعمرو ذنب فما ذنب غيرهما.. بل ستراق دماء المسلمين». حسين باشا: «لقد أهلكَنا الروس وقتلونا وأبادوا أموالنا وذرارينا، بينما ظل شرفنا مصاناً دون أن يمسّه أحد بسوء. ولكن الآن أصبح ديننا مهدداً وشرفنا معرضاً للهتك. فائذن لنا بالعصيان، فجنودنا المشاة والفرسان على أهبة الاستعداد». وبعد أن أوضح حسين باشا الأمر والحوادث المؤلمة، والأستاذ مطرق ومستغرق في التفكير، رفع الأستاذ رأسه وقال بكل لطف ولين: أيها الباشا تعال لنستشر ديوان أحمد الجزري ونفتحه متفائلين به. أتقبل ما يقوله الجزري؟ الباشا: «نعم!» فاخرج الأستاذ الديوان من جيبه وفتحه متفائلاً به وإذا بهذا البيت أمامهم: هن زي ببف دَيري فه تين، قصدا كنيشتي هن دكن نه ي زي فانم نه ي زي وانم من دَرَي خمار بس ويعني: منهم من يرجع من طريق الكنيسة ويدخل الإسلام ومنهم من يعود إلى معبد اليهود فيتهود، أما أنا فلست من هؤلاء ولا من هؤلاء.. قال الأستاذ: «أرأيت يا باشا. فأنا الآن لست منكم ولا منهم». حسين باشا: «يا أستاذ لقد أوهنت عزيمتي وأضعفت همتي. فلو عدت إلى عشيرتي سيقولون، جبن الباشا فتخلى عن العصيان». قال الأستاذ: «نعم، وليقولوا: جبن وخاف ولا يقولوا أراق الدم». وعندما ودّع الباشا الأستاذ كرّر عليه الأستاذ ثلاث مرات: لا ترق الدم يا باشا.. لا ترق الدم.. لا ترق الدم.. وعاد حسين باشا إلى عشيرته وفرّق قواته، لذا لم تحدث أية حادثة في منطقة «وان».( ب) ١ ص ٥٥٧.
