والأشجار. وانظر هل ترى فيها غلطا أو قصورا؟. ﴿ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرٰى مِنْ فُطُورٍ ﴾ (الملك:٣) بل قد أعطى «الحفيظ» لكلٍ منها ما ورثه من مال أبيه وأصله بلا نقصان وبلا التباس. فما يفعل هذا الفعل إلا من يقتدر على أن يقيم القيامة. فمَن يفعل هذا، هو الذي يفعل تلك.. فإظهارُ كمالِ الحفظ ها هنا مِن الأمور التافهة الزائلةِ حُجةٌ بالغة على محافظة ما له أهميةٌ عظيمة وتأثير أبدي، كأفعال خلفاء الأرض وآثارهم، وأعمال حَملة الأمانة وأقوالهم، وحسنات عبدة الواحد الأحد وسيئاتهم. ﴿ اَيَحْسَبُ الْاِنْسَانُ اَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ (القيامة:٣٦) بلى إنه لمبعوث إلى الأبد، فيحاسَب على السبَد واللبَد. [^11]
[^11]:السَبَد: جمـع أسباد: القليل من الشعر، يقال: «ما له سبدٌ ولا لَبَد» أي لا شعر ولا صوف، يقال: لمن لا شيء له (انظر: مجمع الأمثال للميداني).
فهذا المثال الذي تنسج أنت على منواله ليس قبضةً من صُبرة [^12] أو غرفة من بحر، بل حَبَّة من رمال الدهناء، ونقطة من تلال الفيفاء، [^13] وقطرة من زلال السماء.. فسبحانه مِن حفيظ رقيب وشهيد حسيب.
[^12]:الصُبرة: ما جُمع من الطعام بلا كيل ولا وزن.
[^13]:الفيفاء: الصحراء الملساء والجمع: فيافي.
٧. اعلم
اعلم أيها السعيد الغافل! إن ما لا يرافقك بعد فناء هذا العالم بل يفارقك بخراب الدنيا، لا يليق أن تلزق قلبَك به. فكيف بما يتركك بانقراض عصرك؟.. بل فكيف بما لا يصاحبك في سفر البرزخ؟.. بل فكيف بما لا يشيّعك إلى باب القبر؟.. بل فكيف بما يفارقك سنة أو سنتين فراقا أبديا مورِثا إثمَه في ذمتك؟.. بل فكيف بما يتركك على رغمك في آن سرورك بحصوله؟
فإن كنت عاقلا لا تهتم ولا تغتم، واترك ما لا يقتدر أن يرافقَك في سفر الأبد، بل يضمحل ويفنَى تحت مصادمات الانقلابات الدنيوية والتطورات البرزخية والانفلاقات الأُخروية. ألا ترى أن فيك شيئا لا يَرضى إلّا بالأبد والأبدي، ولا يتوجه إلّا إليه، ولا يتنـزل لما دونه؟ وذلك الشيء سلطانُ لطائفك. فأطِعْ سلطانك المطيع لأمر فاطره الحكيم جلّ جلاله.
٨. اعلم
......... [^14]
[^14]:في (ط١): اعلم أنى رأيتني في المنام وأنا أقول للناس: يا أيها الإنسان! إن من دساتير القرآن: أن لا تحسبن شيئا مما سواه سبحانه أعظم منك بحيث تتعبد له.. وأن لا تحسبن أنك أعظم من شيء من الأشياء بحيث تتكبر عليه. إذ يتساوى ما سواه في البعد عن المعبودية وفي نسبة المخلوقية.
