خَدَمتها في الأعصاب المحركة والحساسة والأوردة والشرايين والإبصار والتصوير وغيرها مما يتيه فيه الفكر.
فهذه الصنعة المتقنة العجيبة، والنقش المزين المنتظَم، والحكمة العميقة الدقيقة، تقتضي قطعا:
إما أن يكون كل ذرة وكل مركب في الكائنات معدنا ومنبعا ومصدرا لصفات محيطة مطلقة كاملة.
وإما أن يكون مظهرا ومعكِسا ومَجلَىً للمعاتِ تجلياتِ شمس الأزل الذي له هذه الصفات.
والشِق الأول فيه محالاتٌ بعدد ذرات الكائنات ومركباتِها؛ فمن جاز عنده أن يحمل على جناحَى نحلةٍ جبلي «سُبحانْ وآرارات» [^17]وأن ينبع من عيني بعوضة «النيل والفرات»، فليذهب إلى الشق الأول؛ فتشهد كلُّ ذرةٍ -بِعَجزها عن تحمّل ما لا طاقة لها به- أنه: لا موجدَ ولا خالقَ ولا رب ولا مالك ولا قيوم ولا إله إلّا الله. وكل ذرات الكائنات ومركباتها بألسنتها المختلفة ودلالاتها المتنوعة تتكلم بـ:
[^17]:جبلان يقعان شرقي تركيا.
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ [^18]
[^18]:لم ينسب إلى قائله: انظر تفسير الألوسي ٤١٧/٨؛ البحر المديد لابن عجيبة ١١٣/٤؛ البرهان للزركشي ١٦٠/٢.
نعم، إن كل حرف من كتاب الكائنات، يدل على وجود نفسه بوجهٍ واحدٍ، وبمقدار حرف، لكن يدل على كاتبه وصانعه بوجوه كثيرة. وينشدُ من أسمائه المتجلية عليه قصيدةً طويلة:
تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَلإِ الأعلى إلَيكَ رَسَائِلُ [^19]
[^19]:لرجل نحوي مشهور يُعرف بركن الدين بن القَوْبَع (ت ٧٣٨ هـ) - (قول على قول ١٥٧/١١ للكرمي).
١٧. اعلم
اعلم [^20] أن مرايا التجليات متنوعة منها: الزجاج، والماء، والهواء -لاسيما للكلمات- وعالم المثال، والروح، والعقل، والخيال، والزمان. وغيرها مما لا نعلم أو لا تعلم.. وتماثيل الماديات الكثيفة في المرايا [^21] منفصلة حُكما، وأمواتٌ حقيقةً.. وليس لها خاصية الأصل.. وغيرٌ
[^20]:الغصن الرابع من «الكلمة الرابعة والعشرين» تفصّل هذه المسألة.
[^21]:أي صورها المرتسمة في المرايا، كما سيأتي.
