مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 195 من 477
١٩٥

يمكن أن تسري تلك إليها وتتكدر هي بها، بل تنفعل أنت منها. فلا تهتم بها لتذهبَ؛ إذ هذه الوهميات والهوائيات كالهوام والزنابير؛ إن دافعتَهم قاتلوك، وإن تركتَهم فارقوك..

٣٣. اعلم

اعلم أيها المتفلسف المرجِّح للعقل على النقل، فتُؤوِّل النقلَ بل تُحرِّف؛ إذ لم يسعه عقلُك المتفسخ بالغرور والتغلغلِ في الفلسفيات! إنني كنتُ في حينٍ كما كنتَ، ثم شاهدتُ قصرا شاهقا شارقا اتصل سطحُه بسقف السماء، قد أُرسِلت متدليةً من شبابيكها العالية زنابيلُ [^26] متفاوتةٌ، حبالُها في المبدأ والمنتهى. فبعضُها قريبٌ من الأرض فيقذف الإنسانُ الموفَّق نفسَه في ذلك الزنبيل فيرتفع إلى أعلى المنازل، وبعضُها أخفض مبدأ وأرفعُ منتهى. وهكذا.. ثم رأيت بعضَ الناس الخاسرين المغرورين لا يبالون بتلك الزنابيل، فيتشبثون للصعود بجمع الأحجار والأشياء ويضعونها تحت أرجلهم، فيتصاعدون قليلا ثم يتساقطون، وأنّى لهم الصعود! وشاهدتُ بعض المعتمدين على أنفسهم المتفرعنة، يدقون مسامير في جدار القصر فيضعون أرجلهم عليها متصاعدين فيخرّون فتندقّ أعناقُهم وهكذا.. ورأيت أن ما جُهزوا به من مكاسبهم وآلاتهم إنما أُعطوها ليستعملوها على قدر الاستعداد والتوفيق في الصعود إلى الزنبيل، لا إلى المنازل. فعقلُكَ عقالُكَ، وبالنقل نقلتُك. مَن توكّل على الله فهو حسبه..

[^26]:إن إيضاح هذه المسألة قد ذكر في بيان الطرق الثلاثة في آخر «الفاتحة» في رسالة «أنا» [الكلمة الثلاثون] وفي [اللوامع] في سياحة خيالية ختام «الكلمات». والزنابيل المتدلية إشارة إلى الحقائق القرآنية التي هي الصراط المستقيم.. (المؤلف).

٣٤. اعلم

اعلم يا من تحيّـرَ في سبب غلبةِ الفجار على الأبرار، وتفوُّقِ الطالحين على الصالحين في الحياة الدنيوية. أني قد شاهدتُ في واقعةٍ قصورا، [^27] في كل قصر سرادقات متداخلة متصاعدة، سكان طبقاتها متفاوتون في اللطافة والعلوية والنورانية، فمن في المركز العالي كالسلطان، وتحته منازل فيها سكان متفاوتون في القيمة والنورانية، وهكذا إلى الباب. ومن عند الباب خادم مظلم كثيف، وقدام الباب كلبٌ متملق. ثم رأيت بعض القصور تلألأت ساحةُ بابه، فتأملتُ فيها فرأيت ملك القصر يلعب مع الكلب قدّام الباب، والمخَدَّرات [^28] يداعِبن مكشوفاتٍ رؤوسُهن مع الصبيان، وقد تعطلت الوظائف النـزيهة في الطبقات، وتشعشعت وظائف الكلب والصبيان وسَفَلة الخدام، فتفتق القصر عن مكنوناته متفسقا، مُشرقا مقتدرا قويا ظاهر الباب، مظلما معطَّلا ذليلا في الداخل. وفسوقُه كفتوق فلقتي الرمان مثلا عن حباته. فعلمت

[^27]:الكلمة الثالثة والعشرون توضح هذه الحالة بالتفصيل.

[^28]:أي النساء.

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.