فإنهم لا يحيطون بالحقيقة المطلقة بأنظارهم المقيدة، بل إنما يشاهدون طَرفا منها فيتشبثون به وينحبسون عليه ويتصرفون فيه بالإفراط والتفريط.. فتختل الموازنة ويزول التناسبُ.
مَثلهم كمثل غوّاصين في البحر لكشف كنـزٍ متزين ممتلئ بما لا يحصى من أصناف الجواهر، فبعضٌ صادف يدُه ألماسا مستطيلا مثلا، فيحكمُ بأن الكنـزَ عبارةٌ عن ألماسٍ طويل، وإذا سمع من رفقائه وجودَ سائر الجواهر فيه يتخيلها فصوصَ ألماسه، وصادف آخرُ ياقوتا كرويا وآخر كهربا [^36]مربعا وهكذا. وكل واحد يعتقد مشهودَه جرثومَ الكنـز ومعظمه، ويزعم مسموعَه زوائدَه وتفرعاتِه، فتختل الموازنة ويزول التناسب، فيضطرون للتأويل والتصلف والتكلف حتى قد ينجرّون إلى الإنكار والتعطيل. ومَن تأمل في آثار الإشراقيين والمتصوفين المعتمدين على مشهوداتهم بلا توزين بميزان السُّنة لم يتردد فيما قلت.
[^36]:حجر كريم مشهور، وهو صمغ شجرة إذا حكّ صار يجذب التبن وغيره.
ثم انظر إلى القرآن فإنه أيضا غواص لكن له عينٌ مفتوحة تحيط بالكنـز وما فيه، فيصف الكنـزَ كما هو عليه، بتناسب وانتظام واطراد.
مثلا: يشتمل على ما تقتضيه عظمةُ مَن: ﴿ وَالْاَرْضُ جَم۪يعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيٰمَةِ وَالسَّمٰوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَم۪ينِه۪ ﴾ (الزمر:٦٧).. وكما قال: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَٓاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ (الأنبياء:١٠٤) مع أنه: ﴿ يُصَوِّرُكُمْ فِي الْاَرْحَامِ كَيْفَ يَشَٓاءُ ﴾ (آل عمران:٦) ﴿ مَا مِنْ دَٓابَّةٍ اِلَّا هُوَ اٰخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾ (هود:٥٦) و ﴿ خَلَقَ السَّمٰوَاتِ وَالْاَرْضَ ﴾ (الأنعام:٧٣) مع أنه: ﴿ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ (الصافات:٩٦) ﴿ وَيُحْيِ الْاَرْضَ ﴾ (الروم:٥٠) ﴿ وَاَوْحٰى رَبُّكَ اِلَى النَّحْلِ ﴾ (النحل:٦٨) ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِاَمْرِه۪ ﴾ (الأعراف:٥٤) ﴿ اَوَلَمْ يَرَوْا اِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَٓافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ اِلَّا الرَّحْمٰنُ اِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَص۪يرٌ ﴾ (الملك:١٩) ويكتب صحيفة السماء بنجومها وشموسها ككتابة صحيفةِ جناح النحلة بحجيراته وذراته ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰوَاتِ وَالْاَرْضَ ﴾ (البقرة:٢٥٥) مع أنه: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ اَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ (الحديد:٤) ﴿ هُوَ الْاَوَّلُ وَالْاٰخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَل۪يمٌ ﴾ (الحديد:٣) وهكذا.. وقس عليها.. وما يشاهد في نوع البشر من أنواع الفرق الضالة، إنما نشأت من قصور أئمتهم المارين إلى الباطن، المعتمدين على مشهوداتهم، الراجعين من أثناء الطريق، المصداقين لما قيل: «حفظت شيئا وغابت عنك أشياء». [^37]
[^37]:لأبي نواس: فَقُل لِمَن يَدَّعي في العِلمِ فَلسَفَةً حَفِظتَ شَيئا وَغابَت عَنكَ أشياءُ.
