مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 109 من 477
١٠٩

كذلك؛ لابد أن يتفطن الإنسان أن هذه الدنيا ليست لذاتها وبذاتها، بل إنما هي مَنـزلٌ تُملأ وتُفرغ بحلول وارتحال، وأن ساكنيها مسافرون، يدعوهم رب كريم إلى دار السلام.. وأن هذه التزيينات ليست للتلذذ بالتنـزه فقط، بدليل أنها تُلِذُّك آنا، ثم تؤلمك بفراقها أزمانا، وتُذيقك وتفتح اشتهاءك، ثم لا تشبعك لقِصَر عُمرها أو قصر عمرك، بل إنما هي للعبرة وللشكر، وللشوق إلى أصولها الدائمة ولغايات عُلوية.. وأن هذه المزينات صور وأنموذجات لِما ادّخره الرحمن في الجنان لأهل الإيمان، وأن هذه المصنوعات الفانيات ليست للفناء، بل اجتمعت اجتماعا قصيرا لتؤخَذ صورُها وتماثيلُها ومعانيها ونتائجها، فيُنسج منها مناظر دائمة لأهل الأبد، أو يَصنع منها مُحَوّلُها ما يشاء في عالم البقاء.

ومن الدليل على أن الأشياء للبقاء لا للفناء، بل الفناءُ الصوري تمامُ الوظيفة وترخيصٌ له، أن الفاني يفنى بوجهٍ ويبقى بوجوهٍ غير محصورة! مثلا: انظر من كلمات القدرة إلى هذه الزهرة التي تنظر إلينا في وقت قصير، ثم تفنى؛ تراها كالكلمة التي تزول لكن تودِعُ بإذن الله في الآذان ألوفَ تماثيلها، وفي العقول -بعدد العقول- معانيَها؛ إذ هي وقت تمام الوظيفة تُبقي وتُودع في حافظتنا وفي حافظة كل مَن رآها في الشهادة، وفي بذورها في الغيب صورَها ومعانيَها؛ حتى كأن حافظة كلِّ مَن نظر إليها وكلَّ بُذيراتها (فوطوغرافاتٌ) لحفظ زينةِ صورها، ومنازلُ لبقائها. وقس عليها ما فوقها وما فوق ما فوقها من ذوي الأرواح الباقية.

وإن الإنسان ليس سدىً غاربهُ على عنقه: [^8]يسرح كيف يشاء، بل تؤخذ صور أعماله، وتُكتب وتحفظ نتائج أفعاله ليحاسَب؛ وإن التخريبات الخريفية للمصنوعات الجميلات الربيعية، إنما هي ترخيصات بتمام الوظيفات وتفريغات لوفود مخلوقات جديدات، وإحضارات لنـزولِ مصنوعاتٍ موظفات، وتنبيهات للغفلات والسكرات. وإنّ لِصانع هذا العالم عالما آخر باقيا يسوق إليه عبادَه ويشوّقهم إليه، وإنه قد أعد لهم ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. [^9]

[^8]:أصل المثل: «حبلُكِ على غاربك»، ويستعمل في كنايات الطلاق. والغارب: الكاهل. يقال: ألقى حبلَ الشخص على غاربه: تركه يذهب حيث يشاء (مجمع الأمثال).

[^9]:عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله عز وجل: «أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. واقرأوا إن شئتم: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَٓا اُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ اَعْيُنٍ ﴾ (السجدة:١٧). رواه البخاري ومسلم برقم (٢٨٢٤) ولم يذكر الآية، والترمذي (٣١٩٥) تحقيق أحمد شاكر.

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.