فكان يعلمنا بهذا كيف نفكر في مخلوقات الله المبثوثة في معرض الله.. وهكذا كنا نتلقى دروساً إيمانية في التدبر وفق منهج القراءة في كتاب الكون المفتوح أمامنا. [^92]
[^92]:ذكريات عن سعيد النورسي ص٧٤. يذكر الأستاذ في «الكلمات، الكلمة الثانية والعشرون الآتي: لقد أحصيتُ ذات يوم عناقيد ساق نحيفة لعنب متسلق -بغلظ إصبعين- تلك العناقيد التي هي معجزات الرحيم ذي الجمال في بستان كرمه. فكانت مائة وخمسة وخمسين عنقوداً. وأحصيتُ حبّات عنقود واحد منها فكانت مائة وعشرين حبة. فتأملت وقلت: لو كانت هذه الساق الهزيلة خزانة ماء معسّل، وكانت تعطي ماءً باستمرار لما كانت تكفي أمام لفح الحرارة ما ترضعه لمئاتِ الحبات المملوءة من شراب سكر الرحمة. والحال أنها قد لا تنال إلّا رطوبة ضئيلة جداً، فيلزم أن يكون القائم بهذا العمل قادراً على كل شيء. فـ«سبحان من تَحيَّرُ في صنعه العقول». ويذكر في الكلمة التاسعة والعشرون منها إحصاءه لعدد أغصان شجرة اللوز وعدد فروعها بل حتى عدد ما في أزاهيرها من خيوط.
زيارة المقابر
كلما كان الأستاذ يمر على قبر سواء على الطريق أو في المقبرة، يدعو لهم بالخير.
وذات يوم وقف على مقبرة وقال: «إن شواهد هذه القبور تذكرنا بالآخرة، وتنذرنا، فهي كالمعلم الحي لنا حيث هي شاخصة أمامنا. ألا ترون أن هذه الأحجار ترشدنا إلى دروس بليغة بلسان حالها وكأنها تقول لنا: «أنتم أيضاً قادمون إلى هنا... لامناص».
وهكذا كان يعلمنا كيفية التفكير في الأمور كلها، وعلمنا أدب زيارة القبور. [^93]
[^93]:ذكريات عن سعيد النورسي ص٧٤.
مطالعة الكون
عندما كان الأستاذ يتجول في السهول الممتدة على مد البصر وبين المروج المزدهرة بالأثمار والأزهار، كان يتصفح كتاب الكون المنظور بنظراته الدقيقة الواعية ويقرأ ما وراءه من معان ورموز، كمن يقرأ كتاباً مفتوحاً بين يديه بكل اهتمام وذوق، وكان يقول لنا في أثناء ذهابنا وإيابنا في السيارة: «هل تطالعون كتاب الكون أيضاً؟»
كان للأستاذ علاقة متينة مع المخلوقات ويشفق كثيراً جداً على الأشجار والحيوانات بل حتى على الأحجار أيضاً. فعندما يرى كلباً -مثلاً- في الطريق يشفق عليه ويبادرنا بالقول: «هل لديكم كسرة خبز؟» فيأخذها ويعطيها للكلب.
ويقول: هذه حيوانات وفية، وإن عدْوها وعواءها ناشئان عن صدقها ووفائها.
وكان عندما يرى في السهول السلحفاة -مثلاً- على حوافي السواقي يقول: «ما شاء الله، بارك الله، ما أجملها من مخلوق، فالصنعة والإتقان في خلقها ليس بأقل منكم».
