ويا إخوتي، تعلمون أنني لا أقبل الصدقات والمعونات، كما لا أكون وسيلة لأمثالها من المساعدات، لذا أبيع ملابسي الخاصة وحاجياتي الضرورية، لأبتاع بثمنها -من إخوتي- كتبي التي استنسخوها وذلك لأحول دون دخول منافع دنيوية في إخلاص رسائل النور، لئلا يصيبها ضرر. وليعتبر من ذلك الإخوة الآخرون، فلا يجعلوا الرسائل وسيلة لأي شيء كان. [^5]
[^5]:الملاحق، ملحق أميرداغ ١.
إن السبب المهم للاستغناء عن الناس هو ما يقوله ابن حجر.(∗) الموثوق حسب مذهبنا الشافعي: «يحرم قبول ما يوهب لك بنية الصلاح، إن لم تكن صالحاً». [^6]
[^6]:«ومَنْ أُعطي لوصفٍ يُظنُّ به كفقرٍ أو صلاح أو نسب بأن توفرّت القرائن أنه إنما أُعطي بهذا القصد أو صرّح له المُعطي بذلك وهو باطناً بخلافه، حَرُم عليه الأخذ مطلقاً ومثله ما لو كان به وصفٌ باطناً لو أطّلع عليه المُعطي، لم يُعْطِهِ. ويجري ذلك في الهدية أيضاً على الأوجه. مثلها سائر عقود التبرّع فيما يظهر كهِبَةٍ ووصيةٍ ووقفٍ ونذر» (ابن حجر الهيتمي الشافعي، تحفة المحتاج لشرح المنهاج ٧/ ١٧٨).
نعم، إن إنسان هذا العصر يبيع هديته البخسة بثمن باهظ، لحرصه وطمعه، فيتصور شخصاً مذنباً عاجزاً مثلي ولياً صالحاً، ثم يعطيني رغيفاً هديةً. فإذا اعتقدت أنني صالح -حاش لله- فهذا علامة الغرور، ودليل على عدم الصلاح. وإن لم اعتقد بصلاحي، فقبول ذلك المال غير جائز لي.
وأيضاً إنّ أخذ الصدقة والهدية مقابل الأعمال المتوجهة للآخرة يعني قطف ثمراتٍ خالدة للآخرة، بصورة فانية في الدنيا. [^7]
[^7]:المكتوبات، المكتوب الثاني.
هذا وإن أسباباً كثيرة تمنعني عن قبول الهدايا، أذكر أهمها وهو: الإخلال بالعلاقة الخالصة الحميمة بيني وبين طلاب النور، علاوة على أنني لست محتاجاً حاجة ماسة، وذلك بفضل الالتزام بالاقتصاد والقناعة والبركة، بل لا أستطيع أن أمدّ يدي إلى أموال الدنيا، فذلك خارج طوقي وإرادتي.
وسأبين سبباً دقيقاً واحداً من بين الأسباب الكثيرة:
أتي صديق حميم تاجر، بمقدار من الشاي يبلغ ثمنه ثلاثين قرشاً، فلم أقبله. فقال: لا تردّني خائباً يا أستاذي، لقد جلبته لك من إسطنبول! فقبلته ولكن دفعت له ضعف
