سبحانه وتعالى أن تكون هذه القرية الصغيرة «بارلا» مصدر إشعاع إسلامي أضاء فيما بعد أرجاء تركيا ووصل إشعاعه إلى كل قرية وكل ناحية وكل مدينة فيها». [^100]
[^100]:T.Hayat, Barla hayatı
فأقول ما يأتي تحدثاً بالنعمة ولله الحمد مائة ألف مرة:
إن جميع مضايقاتهم واستبداداتهم تصبح كالحطب لإشعال نار الهمة والغيرة، لتزيد أنوار القرآن سطوعاً؛ فتلك الأنوار القرآنية التي عوملت بالمضايقات انبسطت بحرارة الغيرة والهمة، حتى جعلت جميع الولاية بل أكثر المدن في حكم مدرسة، ولم تنحصر في «بارلا» وحدها.
وحسبوا أنهم قد حبسوني في قرية، إلّا أن تلك القرية «بارلا» -وأنف الزندقة راغم- قد أصبحت كرسي الدرس بفضل الله وبخلاف مأمولهم، بل أصبح كثير من الأماكن كـ«إسبارطة» في عداد المدارس. [^101]
[^101]:المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، المسألة الرابعة.
في «بارلا»
وصل الأستاذ سعيد النورسي إلى منفاه «بارلا» [^102] من أعمال «إسبارطة» في غربي الأناضول في ١/ ٣/ ١٩٢٧ [^103] حيث قضى الليلة الأولى في مخفر الشرطة، ثم خصص لإقامته بيت صغير يتألف من غرفتين ويطلّ على مروج «بارلا»، وبساتينها الممتدة إلى بحيرة «أغريدير» العذبة، أمامها شجرة الدلب العالية.
[^102]:يقص «شوكت دميرآي» وهو الجندي المكلّف بنقل الأستاذ النورسي إلى ناحية «بارلا» ذكرياته فيقول: «كنت في مدينة «أغريدير» عندما استدعوني إلى مركز البلدية صباح أحد الأيام.. فذهبت إليه وكان هناك القائمقام وآمر الجندرمة مع أعضاء هيئة البلدية وشخص معمم في العقد الرابع من عمره يلبس جبّة وله هيئة وقورة. خاطبني آمر الجندرمة قائلاً: «اسمع يا بني، عليك أن تأخذ شيخنا هذا المعروف ببديع الزمان إلى بارلا. إن وظيفتك هذه مهمة جداً، وعندما تسلّمه إلى المخفر هناك دعهم يوقعوا على الأوراق الرسمية ثم اخبرنا بذلك». قلت له: «حسناً يا سيدي». فخرجت مع الشيخ وفي الطريق قلت له: «يا شيخنا أنت بمثابة والدي وإن هذه وظيفة كلّفتُ بها فأرجو أن لا تستاء منّي». ثم يستمر في وصف الرحلة بالقارب فيقول: «كان الجو بارداً، فالفصل شتاء ومياه البحيرة متجمدة هنا وهناك وأحد جذافي القارب يكسر الثلوج بعصاً طويلة في يده ويفتح بذلك طريقاً للقارب. بدأ الشيخ بديع الزمان بتوزيع بعض الزبيب وبعض الحلوى علينا، كنت أتفحصه بدقة فوجدته هادئاً كل الهدوء إذ كان يتأمل في البحيرة والجبال المحيطة بنا.. ولكون النهار قصيراً فقد أزف وقت صلاة العصر بسرعة. أراد أن يصلي واقفاً فوجّهنا القارب باتجاه القبلة. سمعت صوتاً يقول: الله أكبر!.. لم أكُن قد سمعت في حياتي كلّها تكبيرة بهذه الرهبة والخشوع، شعرت بأن الشعرَ في أجسادنا قد وقف. لم تكن حركاته وأطواره تشبه أطوار الشيوخ الذين عرفناهم.. كُنا نحاول جهدنا أن نبقي على القارب باتجاه القبلة وعندما أنهى الشيخ صلاته، التفتَ إلينا قائلاً: «شكراً لكم يا إخوتي، لقد أتعبتكم!»... كان شخصاً متواضعاً ودمث الأخلاق». ذكريات عن سعيد النورسي ص٣٠، (ش) ٢٥٩.
[^103]:هذا ما يقرره ويثبته الباحث الأخ نجم الدين شاهين أر، بينما المصادر الأخرى تذكر أنه وصل إلى بارلا في ١٩٢٦.
