ألّا يذهب مع الجندرمة مبدين استعدادهم لتهريبه إلى مكان آخر، أو إلى أي بلد إسلامي آخر، ولكنه لم يقبل وقال لهم إنه يذهب مع المفرزة بكامل رغبته، وأن الجنود هم بمثابة طلابه، ونصحهم بالرجوع إلى بيوتهم بسكون ولا داعي إلى القلق. [^86] وهكذا حال دون حدوث مجابهة بين الأهالي والحكومة تراق فيها الدماء بسببه. [^87]
[^86]:من مذكرات «زبير كوندوز آلب» (ب) ١/ ٥٦٧، (ش) ٢٧٣.
[^87]:«كان ترحيل المنفيين في ٢٥/ ٢/ ١٩٢٥ وكان خط السير كما يأتي: اتجهت القافلة من مدينة «وان» إلى «أرجيش» ومنها إلى «باتنوس»، حيث استراحت هناك ما يقارب أربعة أيام ثم توجهت إلى مدينة «آغري» وبقيت فيها يوماً واحداً، ومنها إلى «أرضروم» حيث قضت فيها أسبوعاً واحداً وتوجهت منها إلى مدينة «طرابزون» وقضت فيها عشرين يوماً، ثم اتجهت إلى «إسطنبول» بالباخرة ووصلتها في ١٥/ ٤/ ١٩٢٥ ومكثت فيها (٢٠-٢٥) يوما». ويسرد «مصطفى آغريلى» أحد الجنود الذين اشتركوا في حراسة قافلة المنفيين هذه ذكرياته عن هذه الرحلة فيقول: «عندما كنت أؤدي وظيفتي في الخدمة العسكرية في مدينة «وان» كنت أسمع عن اسم الأستاذ بديع الزمان وعن شهرته كثيراً، فالجميع كانوا يتحدثون عنه، مما جعلني في شوق كبير لرؤيته. وعندما كلفت بالاشتراك في حراسة قافلة المنفيين كان ذلك فرصة كبيرة لرؤيته. عندما خرجت القافلة كان الموسم شتاءً والثلج يغطي كل مكان، وكان في القافلة ما يقارب (٧٠-٨٠) زحافة تجرها الخيول أو الثيران... في المساء وصلنا إلى إحدى القرى فاستقبلنا أهلُها عن بكرة أبيهم.. كان قائد الرحلة في ورطة، إذ كيف يستطيع أن يبيت في هذه القرية الكردية وأن يحافظ ويحرس ويمنع هروب أي شخص؟ لم يكن من الممكن أن يوزع المنفيين على بيوت القرية، وأخيراً قرر جمعهم في مكان واحد لتسهل حراستهم... ذهبنا إلى غرفة صغيرة لا تسع إلّا لمنام شخصين، وكان القرويون يحومون حولنا مبدين حفاوة كبيرة بنا.. وقد أحاطوا بنا من كل جانب، وكأنهم ينتظرون إشارة واحدة من «بديع الزمان» ولكنه ما كان يسمح أن يحدث أي شيء. وفي المساء جلبوا لنا أصنافاً متعددة من الأطعمة، ولكن الأستاذ قال بأنه مريض لذا لم يمد يده للأكل، ولكنه دعاني للأكل، ثم صلينا العشاء وبعدها فرشوا له فراشاً، وفراشاً لي قرب الباب.. بعد حين انتبهت على صوت حركة، فتحت عيني فرأيته وهو يخرج وبيده فانوس زيتي حيث توضأ في الباحة المغطاة بالثلج، ثم وقف للصلاة، فقضى الليلة في الصلاة والعبادة. التفت إليَّ عندما أحس أنني يقظان وقال لي: «لا يزال أمامك متسع من الوقت للنوم. نحن على المذهب الشافعي نستيقظ مبكرين، أما أنتم فعلى المذهب الحنفي وتستطيع أن تؤدي الصلاة بعد حين.. ولكنه في الحقيقة لم يكن قد استيقظ مبكرآً لأنه لم ينم أصلاً، أما أنا فلم أعد إلى النوم بل قمت وتوضأت وصليت الفجر معه.. كانت هناك مدفأة في الغرفة.. قام الأستاذ وغلّى شيئاً من الماء عليها، وكان معه زنبيل صغير، أخرج منه بيضة واحدة وسلقها.. كانت قد مرت ساعات طويلة منذ خروجنا من مدينة «وان»، ولأول مرة كان يتناول طعاماً في هذا الفطور.. ثم أخرج أدوات الحلاقة وحلق ذقنه.. لا أتذكر اسم هذه القرية.. كنا نبيت على الدوام في القرى التي تقع على طريق سيرنا.. كنت أراقبه عن كثب فرأيته يهتم بالنظافة والحلاقة والعبادة اهتماماً كبيراً، ولم يكن يتناول طعام أحد». Son Şahitler ١ ص١٣٦.
خاطرة في إسطنبول
«حينما أتيت إسطنبول منفياً، وقد كنت ذا علاقة مع دار الحكمة الإسلامية التابعة لديوان المشيخة الإسلامية حيث عملت فيها لخدمة القرآن، سألت: ما وضع المشيخة الإسلامية؟
