هاتين الرسالتين وفي رسائل أخرى أن: «وَحِّد القبلةَ» أي أتبع إماماً ومرشداً واحداً ولا تنشغل بغيره! [^14]
[^14]:نص العبارة: «وحيث قد طلبت الهمة من كمال الالتفات فبشرى لك ترجع سالماً وغانماً، لكن لا بد من أن تراعي شرطاً واحداً وهو: توحيد قبلة التوجه. فإن جعل قبلة التوجهِ متعددة إلقاءُ السالك نفسه إلى التفرقة.ومن الأمثال المشهورة: إن المقيم في محل في كل محل والمتردد بين المحال ليس في محل أصلاً». (المكتوب الخامس والسبعون من مكتوبات الإمام الرباني ١ ص٨٧. ترجمة: محمد مراد).
لم توافق هذه الوصية -آنذاك- استعدادي وأحوالي الروحية.. وأخذت أفكر ملياً: أيهما أتبع!. أأسير وراء هذا، أم أسير وراء ذاك؟ احترت كثيراً وكانت حيرتي شديدة جداً، إذ في كل منهما خواص وجاذبية، لذا لم أستطع أن أكتفي بواحد منهما.
وحينما كنت أتقلب في هذه الحيرة الشديدة.. إذا بخاطر رحمانيّ من الله سبحانه وتعالى يخطر على قلبي ويهتف بي:
«إن بداية هذه الطرق جميعها.. ومنبع هذه الجداول كلها.. وشمس هذه الكواكب السيارة.. إنما هو القرآن الكريم فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلّا في القرآن الكريم.. فالقرآن هو أسمى مرشد.. وأقدس أستاذ على الإطلاق.. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه.. فاستعدادي الناقص قاصر من أن يرتشف حق الارتشاف فيضَ ذلك المرشد الحقيقي الذي هو كالنبع السلسبيل الباعث على الحياة، ولكن بفضل ذلك الفيض نفسه يمكننا أن نبين ذلك الفيض، وذلك السلسبيل لأهل القلوب وأصحاب الأحوال، كلٌ حسب درجته. فـ«الكلمات» والأنوار المستقاة من القرآن الكريم (أي رسائل النور) إذن ليست مسائل علمية عقلية وحدها بل أيضاً مسائل قلبية، وروحية، وأحوال إيمانية.. فهي بمثابة علوم إلهية نفيسة ومعارف ربانية سامية»». [^15]
[^15]:المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، المسألة الثالثة.
على عتبة سعيد الجديد
«كنت في إسطنبول شهر رمضان المبارك، وكان آنئذٍ سعيد القديم -الذي انشغل بالفلسفة- على وشك أن ينقلب إلى سعيد الجديد.. في هذه الفترة بالذات وحينما كنت أتأمل في المسالك الثلاثة المشار إليها في ختام سورة الفاتحة بـ ﴿صِرَاطَ الَّذ۪ينَ اَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّٓالّ۪ينَ﴾ رأيت تلك الحادثة الخيالية وهي حادثة أشبه ما تكون
