وبعينيّ ينابيع الدموع
وبصدري حرقة الشوق
حار عقلي..!
كنت حينها في غربة مضنية، فشعرت بحزن يائس، وأسف نادم، وحسرة ملتاعة على ما فات من العمر. صرخت من أعماقي أطلب إمداد العون، وضياء الرجاء.. وإذا بالقرآن الحكيم المعجز البيان يمدّني، ويسعفني، ويفتح أمامي باب رجاء عظيم، ويمنحني نوراً ساطعاً من الأمل والرجاء يستطيع أن يزيل أضعاف أضعاف يأسي، ويمكنه ان يبدد تلك الظلمات القاتمة من حولي. [^7]
[^7]:اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء الرابع.
نعم، إنني مصداق لما قيل:
وعينيَ قد نامت بليلِ شبـيبـتي ولم تنتبه إلّا بصبح مَشيب
إذ أشد أوقات انتباهي في شبيبتي رأيته الآن أعمقَ طبقات نومي!... [^8]
[^8]:المثنوي العربي النوري، حبة من نواتات ثمرة القرآن.
فحينما خالط بعض شعرات رأسي البياض الذي هو علامة الشيخوخة، وكانت أهوال الحرب العالـمية الأولى وما خلفه الأسر لدى الروس من آثار عميقة في حيـاتي عمّقت فيّ نوم غفلة الشباب. وتلا ذلك استقبال رائع عند عودتي من الأسر إلى إسطنبول، سواء من قبل الخليفة أو شيخ الإسلام، أو القائد العام، أو من قبل طلبة العلوم الشرعية، وما قوبلت به من تكريم وحفاوة أكثر مما أستحق بكثير.. كل ذلك ولّد عندي حالة روحية فضلاً عن سكرة الشباب وغفلته، وعمّقتْ فيّ ذلك النوم أكثر، حتى تصورت معها أن الدنيا دائمة باقية، ورأيت نفسي في حالة عجيبة من الالتصاق بالدنيا كأنني لا أموت.
ففي هذا الوقت، ذهبت إلى جامع بايزيد في إسطنبول، وذلك في شهر رمضان المبارك لأستمع للقرآن الكريم من الحفاظ المخلصين [^9] فاستمعت من لسان أولئك الحفاظ ما أعلنه
[^9]:وللأستاذ النورسي خواطر قيّمة في جامع بايزيد جديرة بالتذكير، لم ندرجها هنا خشية الإطالة، نذكر منها: بيانه الإعجاز في «ن» نعبد، لدى إثباته أنه لا يمكن ترجمة القرآن ترجمة حقيقية. (المكتوبات، المكتوب التاسع والعشرون، القسم الأول). ومحاورة مع الشيطان، لدى إثباته أن القرآن الكريم كلام الله (المكتوبات، المكتوب السادس والعشرون).
