حيث ما قبلت مرتّباً إلاّ لمدة سنتين تقريباً عندما كنت عضواً في «دار الحكمة الإسلامية» وهذا أيضاً صرفته لطبع كتبي وتوزيعها مجاناً على الناس، فرددت بضاعتهم إليهم». [^244]
[^244]:الملاحق، ملحق أميرداغ ١؛ المكتوبات، المكتوب السادس عشر. يقول ابن أخيه «عبد الرحمن» في رسالة بعث بها إلى عَمه عبدالمجيد: «إنني محتار من أحوال عمّي (سعيد) فقد أطفأ عندي جميع الآمال الدنيوية، فالحكومة تعطيه مرتّباً جيداً، وأنا أقوم بادّخار ما يفضل عن مصاريفنا، وقد ألف كتباً عدة واستدعاني مرة قائلاً: اذهب واستدع مدير المطبعة الفُلانية. ذَهبت، وعندما قدّم مؤلفاته إلى المدير قال لي: يا عبدالرحمن! هات ما ادخرته من نقود، وادفعها للسيد المدير فنفذت له ما أراد، وعندما ذهب المدير امتلأت عيناي بالدموع، ولكنّي بدأت أعزي نفسي قائلاً: هذه الكتب ستطبع وستباع، وإن النقود سترجع وسأدخرها. ولكن بعد عدة أيام أرسلني مرة أخرى لاستدعاء المدير، وفي هذه المرة قال للمدير: أرجو أن تكتب على كتبي بأنها توزع مجاناً على الأمة الإسلامية». عندما خرج المدير شعرتُ بأن الرابطة الروحية التي كنت أحسها تجاه عمي الكبير قد تزحزحت، ولم أستطع أن أتمالك نفسي عن البكاء. فقلت له: يا عمي! كنتُ أدّخر بعض النقود لكي أقوم بتعمير بيتنا الذي خربته الحرب، والآن فقد قتلت ذلك الأمل.. أيجوز ذلك؟ وابتسم عمي قائلاً لي: «يا ابني.. يا عبد الرحمن! إن الحكومة كانت تعطينا مرتّباً كبيراً وليس لي أن آخذ منه الّا كفاف النفس، أما ما زاد عن ذلك، فيجب إعادته إلى بيت المال، لذا فإنني قمت بإعادته إلى المسلمين، ولا أعتقد بأنك ستفهم هذا، ولكن اعلم بأن الله إن شاء فسيعطيك بيتاً في أي مكان كان من هذا الوطن».(ش) ١٨٥-١٨٧عن مجلة أهل السنة ٢/ ٤١ في ١/ ١١/ ١٩٤٨.
ودار الحكمة الإسلامية تابعة للمشيخة الإسلامية العامة للدولة العثمانية، وكانت لا تضم إلّا كبار العلماء الأفاضل، كمحمد عاكف،(∗) وإسماعيل حقي إزميرلي، وحمدي ألماليلي، وأمثالهم. [^245]
[^245]:T.Hayat, ilk hayatı يروي المؤرخ «إسماعيل حقي» أنه استفسر من أستاذه شيخ الإسلام مصطفى صبري عن سبب ضم النورسي إلى دار الحكمة، أجابه: لأنه ضليع بعلم الحديث النبوي، وأبدى آخرون السبب نفسه «Aydınlar Konuşuyor» ص ٣٠٣ لنجم الدين شاهين أر.
[ولكن لما سئل في زمن احتلال إسطنبول:]
- لِمَ لم تستطع «دار الحكمة الإسلامية» القيام بواجبها على الوجه الأتم؟
أجاب: إن عدم قيامها بالخدمة -في الوقت الحاضر- أفضل خدمة لها، وعدم نشاطها اعظم نشاط لها، لأن قوة الأجانب الحاكمة حالياً تشد الخناق على كل حركة ونأمة ونشاط ليست في صالحها. ولقد شـاهدنا أن من قاموا بنشاط أكرهوا على الدعاء للكفار ودفعوا إلى إصدار فتوى بجواز قتل المجاهدين، ففي خضم هذه العاصفة الهوجاء لم تُستغل دار الحكمة أداة طيعة، حيث قوة الأجنبي -التي هي المانع القوي لنشاطها- قد مدت الفساد وشجعته بكل قوة.
