والتوحيد هكذا يقتضي. ثم نقول: يا أهل الجبر! ليس العبدُ مضطراً بل له جزءٌ اختياري لأن الله حكيم. وهكذا يقتضي التنـزيه.
⦁ فإن قلتم: كلّما يُشرّح الجزءُ الاختياري بالتحليل لا يظهر منه إلا الجبرُ.
قيل لكم:
أولاً: إنَّ الوجدان والفطرة يشهدان أن بين الأمر الاختياري والاضطراري أمراً خفياً فارقاً، وجودُه قطعي. فلا علينا أن لا نعبِّر عنه.
وثانياً: نقول إن المَيَلان إن كان أمراً موجوداً -كما عليه الأشاعرة- فالتصرّفُ فيه أمر اعتباري بيد العبد؛ [^73]وإن كان المَيلان أمراً اعتبارياً -كما عليه الماتريدية- فذلك الأمر الاعتباري ثبوتُه وتخصصُه لا يستلزم العلةَ التامة الموجِبة [^74]فيجوز التخلّف. [^75]فتأمل!
[^73]: أي تحويل ذلك الميلان من فعل إلى آخر. (ت: ٨١).
[^74]: بحيث لا تبقى الحاجة إلى الإرادة الكلية. (ت: ٨١). والعلة التامة: هي جملة ما يتوقف عليه وجود الشيء. (التعريفات).
[^75]: إذ كثيراً لا يقع الفعل بوقوع الميلان. (ت: ٨١).
والحاصل: أنَّ الحاصل بالمصدر موقوفٌ عادة على [^76]المصدر الذي أساسُه المَيَلانُ الذي هو -أو التصرف فيه- ليس موجوداً حتى يلزمَ [^77]مِن تخصّصِه مرةً هذا ومرةً ذاك ممكنٌ بلا مؤثر، أو ترجّحٌ بلا مُرجّح.. ولا معدوماً أيضاً حتى لا يصلُح أن يكون شرطاً لخَلق الحاصل بالمصدر أو سبباً للثواب والعقاب.
[^76]: على عادة الله الجارية. (ت: ٨١).
[^77]: فيحتاج إلى مؤثر. (ت: ٨١).
⦁ إن قلت: العلمُ الأزلي والإرادةُ الأزلية ينحيان على الاختيار بالقَلع؟ [^78]
[^78]: أي يزيلان الاختيار ويقضيان عليه.
قيل لك: إنَّ العلم بفعلٍ باختيارٍ لا ينافي الاختيارَ.. [^79]
[^79]: لأن المؤثر هو القدرة وليس العلم الذي هو تابع للمعلوم. (ت:٨٢).
وأيضاً إن العلمَ الأزلي محيطٌ كالسماء، [^80]لا مبدأٌ للسلسلة، كرأسِ زمانِ الماضي حتى تسند إليه المسبّباتُ متغافلاً عن الأسباب موهماً خروجُها..
[^80]: أي يحيط بالأسباب و المسببات معا.
