ووجود الحقائق النسبية للشيء. مثلاً: لو لم يوجد القبحُ ولم يتخلل بين الحُسن لَما تَظَاهَر وجودُ الحُسن بمراتبه الغيرِ [^31]المتناهيةِ.
[^31]:يقول البغدادي: «لا تدخل الألف واللام على «غير»؛ لأن المقصود من إدخال «أل» على النكرة تخصيصها بشيء معين. فإذا قيل «الغير» اشتملت هذه اللفظة على ما لا يُحصى، ولم تتعرف بـ«أل»، كما أنها لم تتعرف بالإضافة، فلم يكن لإدخال «أل» عليها من فائدة». وجاء في المصباح المنير، في مادة «غير» ما نصه: «يكون وصفاً للنكرة، تقول: جاءني رجل غيرك، وقوله تعالى: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ ﴾ إنما وصف بها المعرفة، لأنها أشبهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة، فعوملت معاملتها. ومن هنا اجترأ بعضهم فأدخل عليها الألف واللام؛ لأنها لمّا شابهت المعرفة، بإضافتها إلى المعرفة، جاز أن يدخلها ما يعاقب الإضافة، وهو الألف واللام... وارتضى مؤتمر المجمع اللغوي، المنعقد بالقاهرة في دورته الخامسة والثلاثين، في شهر شباط (فبراير) ١٩٦٩ الرأي القائل: «بأن كلمة «غير» الواقعة بين متضادين تكتسب التعريف من المضاف اليه المعرفة: ويصح في هذه الصورة، التي تقع فيها بين متضادين، وليست مضافة، أن تقترن بـ«أل»، فتستفيد التعريف». (باختصار عن معجم الأخطاء الشائعة لمحمد العدناني).
⦁ إن قلت: ما وجهُ تفاوتِ هذه الكلمات الثلاث: فعلاً، واسم مفعولٍ، واسمَ فاعلٍ، في ﴿ اَنْعَمْتَ ﴾ و ﴿ الْمَغْضُوبِ ﴾ و ﴿ الضَّٓالّ۪ينَ ﴾ ؟ وأيضاً ما وجهُ التفاوت في ذكر صفةِ الفرقة الثالثة، وعاقبةِ الصفة في الفرقة الثانية، وعنوانِ صفة الفرقة الأولى باعتبار المآل؟
قيل لك: اختار عنوانَ النعمة؛ لأن النعمة لذةٌ تميل النفسُ إليها.. وفعلاً ماضياً للإشارة إلى أن الكريمَ المطلق شأنُه أن لا يَسترِدَّ ما يُعطي.. وأيضاً رمزٌ إلى وسيلة المطلوب بإظهار عادةِ المُنعم، كأنه يقول: لأن من شأنك الإنعامُ وقد أنعَمْتَ فأنْعِم عليّ.
أما ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ ﴾ فالمراد منه الذين تجاوزوا بتجاوز القوةِ الغضبية فظلموا، وفَسقوا بترك الأحكام كتمرّد اليهود. ولما كان في نفس الفسق والظلم لذةٌ منحوسة وعزةٌ خبيثة لا تتنفّر منه النفسُ، ذَكَرَ القرآنُ عاقبتَه التي تُنَفِّر كلَّ نفْسٍ وهي نُزُولُ غضبِه تعالى.. واختار الاسم الذي من شأنه الاستمرار، إشارةً إلى أن العصيان والشر إنما يكون سمةً إذا لم ينقطع بالتوبة والعفو.
► ٧ ◄
أمّا ﴿ وَلَا الضَّٓالّ۪ينَ ﴾ فالمراد منه الذين ضلّوا عن الطريق بسبب غلبة الوَهم والهوى على العقل والوجدان، ووقعوا في النفاق بالاعتقاد الباطل كسَفسطة النصارى. اختار القرآنُ نفسَ صفتهم، لأن نفسَ الضلالة ألَمٌ يُنَفّر النفسَ، ويجتنب منه الروحُ وإن لم يرَ النتيجةَ.. واسماً لأن الضلالة إنما تكون ضلالة إذا لم تنقطع. [^32]
[^32]:إذ انقطاعها إشارة إلى دخولها ضمن العفو. (ت:٢٩).
