مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 25 من 304
٢٥

⦁ إن قلت: ﴿ اَلرَّحْمٰنِ ﴾ و ﴿ الرَّح۪يمِ ﴾ كأمثالهما بمبادئها محالٌ في حقه تعالى كرقَّةِ القلب، وإن أُريد منها النهايات [^8]فما حكمةُ المجاز؟

[^8]:أي إن قصد الإنعام الذي هو نتيجة ولازم لمعنى حقيقتهما. (ت: ١٦).

قلت: هي حكمةُ المتشابهات؛ [^9]وهي «التنـزّلات الإلهية إلى عقول البشر»، لتأنيس الأذهان وتفهيمِها، كمَن تكلّم مع صبيّ بما يألَفُه ويأنَس به. فإن الجمهور من الناس يجتنون معلوماتِهم عن محسوساتهم، ولا ينظرون إلى الحقائق المحضة إلّا في مرآة متخيّلاتهم ومن جانب مألوفاتهم.. وأيضا المقصود من الكلام إفادةُ المعنى، وهي لا تتم إلّا بالتأثير في القلب والحس، وهو لا يحصل إلّا بإلباس الحقيقةِ أسلوبَ مألوفِ المخاطَب، وبه يستعدّ القلبُ للقبول.

[^9]:التي محال استعمال معناها الحقيقي بحقه تعالى، كاليد. (ت: ١٦).

► ٢ ◄

﴿ اَلْحَمْدُ ﴾

وجهُ النظم مع ما قبله، أن ﴿ اَلرَّحْمٰنِ ﴾ و ﴿ الرَّح۪يمِ ﴾ لمّا دلّتا على النِعَم استوجَبتا تعقيبَ الحمد. ثم إن ﴿ اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ ﴾ قد كُرِّرَت في أربع سُوَرٍ من القرآن، [^10]كلُّ واحدة منها ناظرةٌ إلى نعمةٍ من النِعم الأساسية التي هي: النشأةُ الأولى، والبقاءُ فيها، والنشأةُ الأخرى، والبقاءُ بعدَها. [^11]

[^10]:وهي: الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر.

[^11]:قال أبو إسحق الإسفراينى رحمه الله: في سورة «الأنعام» كل قواعد التوحيد. ولما كانت نعمه تعالى مما تفوت الحصر إلّا أنها ترجع إجمالاً إلى إيجاد وإبقاء في النشأة الأولى، وإيجاد وإبقاء في النشأة الآخرة، وقد أشير في «الفاتحة» إلى الجميع.. ابتدأت بالتحميد لأنها ديباجة نعمه المذكورة في كتابه المجيد. ثم أشير في الأنعام إلى الإيجاد الأول وفي «الكهف» إلى الإبقاء الأول، وفي «سبأ» إلى الإيجاد الثاني، وفي «فاطر» إلى الإبقاء الثانى، فلهذا ابتدأت هذه السور الخمس بالتحميد (حاشية الشهاب على سورة الأنعام)، (٤/٢)(ب).

ثم وجهُ نظمِه في هذا المقام (أي جعلُه فاتحةَ فاتحةِ القرآن) هو أنه كتصوّر العلّةِ الغائية [^12]المقَدَّم في الذهن؛ لأن الحمدَ صورةٌ إجمالية للعبادة، التي هي نتيجةٌ للخِلقة، والمعرفةِ التي هي حكمةٌ وغايةٌ للكائنات. فكأن ذكرَه تصوّرٌ للعلة الغائية.. وقد قال عز وجل ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْاِنْسَ اِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات:٥٦).

[^12]:أي يكون المعلوم لأجلها.

ثم إنَّ المشهور من معاني الحمد إظهارُ الصفات الكمالية.

وتحقيقُه أنَّ الله سبحانه خلق الإنسان وجعلَه نسخةً جامعةً للكائنات، وفِهْرِسْتة [^13]

[^13]:فهرس وفهرست كلمة معربة.

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.