مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 476 من 560
٤٧٦

إن الكفر بجميع أنواعه كذب. والإيمان إنما هو صدق وحقيقة. وعلى هذا فالبون شاسع بين الصدق والكذب بُعدَ ما بين المشرق والمغرب. ولا ينبغي أن يختلط الصدق والكذب اختلاطَ النور والنار، ولكن السياسة الغادرة والدعاية الظالمة قد خلطتا أحدهما بالآخر. فاختلطت كمالات البشرية ومُثُلها بسفسافها ونقائصها. [^13]

[^13]:إخواني! يُفهم من هذا الدرس الذي ألقاه «سعيد القديم» قبل خمس وأربعين سنة: أن سعيداً ذاك كان وثيق الصلة بالسياسة وبشؤون الإسلام الاجتماعية. ولكن حذار أن يذهب بكم الظن إلى أنه قد نهج اتخاذ الدين أداة للسياسة ووسيلة لها. كلا! بل كان يعمل بكل ما لديه من قوة على جعل السياسة أداةً للدين، وكان يقول: «إني أفضّل حقيقة واحدة من حقائق الدين على ألف قضية سياسية من سياسات الدنيا». نعم، لقد أحسّ آنذاك -قبل ما يقارب الخمسين عاماً- أن بعض الزنادقة المنافقين يحاولون جعل الدين آلة للسياسة، فعمل هو أيضاً -بكل قوة- في مواجهة نواياهم ومحاولاتهم الفكرية تلك على جعل السياسة وسيلة من وسائل تحقيق حقائق الإسلام وخادمة لها. بيد أنه رأى بعد ذلك بعشرين سنة أن بعض الساسة المتدينين يبذلون الجهد لجعل الدين أداة للسياسة الإسلامية، تجاه جعل أولئك الزنادقة المنافقين المتسترين الذين يجعلون الدين آلة للسياسة بحجة التغرّب. ألاَ إن شمس الإسلام لن تكون تابعة لأضواء الأرض ولا أداة لها. وإن محاولة جعلها آلة لها تعني الحط من كرامة الإسلام، وهي جناية كبرى بحقه، حتى إن «سعيداً القديم» قد رأى من ذلك النمط من التحيز إلى السياسة أن عالِماً صالحاً قد أثنى بحرارة على منافق يحمل فكراً يوافق فكره السياسي، وانتقد عالماً صالحاً آخر يحمل أفكاراً تخالف أفكاره السياسية حتى وَصَمَه بالفسق، فقال له « سعيد القديم»: لو أن شيطاناً أيّد فكرك السياسي لأمطرتَ عليه الرحمات، أما إذا خالف أحدٌ فكرك السياسي لَلَعنته حتى لو كان مَلَكاً!». لأجل هذا قال «سعيد القديم» منذ خمس وثلاثين سنة: «أعوذ بالله من الشيطان والسياسة» وَترَك السياسةَ. (المؤلف). ولما كان سعيد الجديد قد ترك السياسة كلياً ولا يَنظر إليها قطعاً، فقد تُرجمت هذه الخطبة الشامية لسعيد القديم التي تمس السياسة. ثم إنه لم يثبت أنه استغل الدين كأداة للسياسة طوال حياته التي استغرقت أكثر من ربع قرن، وفي مؤلفاته ورسائله التي تربو على مئة وثلاثين رسالة والتي دُققت بإمعان من قبل خبراءِ مئاتِ المحاكم بل حتـى في أحلك الظروف التي تلجئه إلى السياسة لشدة مضايقات الظَلَمة المرتدين والمنافقين، بل حتى عندمـا أُصدِر أمر إعدامه سراً، لم يجد أحدٌ منهم أية أمارة كانت عليه حول استغلاله الدين لأجل السياسة. فنحن طلاب النور نرقب حياته عن كثب ونعرفها بدقائقها لا نملك أنفسنا من الحيرة والإعجاب إزاء هذه الحالة، ونعدّها دليلاً على الإخلاص الحقيقي ضمن دائرة رسائل النور. (طلاب النور).

إن الصدق والكذب بعيدٌ أحدُهما عن الآخر بُعدَ الكفر عن الإيمان؛ فإن عروج محمد ﷺ في خير القرون إلى أعلى عليين بوساطة الصدق وما فتحه من كنوزِ حقائقِ الإيمان وأسرار الكون.. جَعَل الصدقَ أَروَجَ بضاعةٍ وأثمنَ متاع في سُوق الحياة الاجتماعية؛ بينما تردّى مسيلمة الكذاب وأمثاله إلى أسفل سافلين بالكذب؛ إذ لما حدث ذلك الانقلاب العظيم في المجتمع تبيّن أن الكذبَ هو مفتاح الكفر والخرافات، وأفسدُ بضاعة وأقذرها. فالبضاعة التي تثير التقزز والاشمئزاز لدى جميع الناس إلى هذا الحد لا يمكن أن تمتد

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.