مقدمة المترجم
مقدمة المترجم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه.
وبعد: فقد أعلن السلطان عبد الحميد الثاني «المشروطيةَ» [^1] في ٢٣/ تموز/ ١٩٠٨م، وهي تعنى تأسيس النظام البرلماني في الدولة العثمانية التي أصبحت بموجبها الوزارة مسؤولة تجاه البرلمان وليس تجاه السلطان، كما أن صلاحية تشريع القوانين غدت من اختصاص البرلمان، وأطلقت على أثرها حرية العمل السياسي وحرية الصحافة وغيرها..
[^1]:المشروطية: وهي إعلان النظام البرلماني في الدولة العثمانية، وقد أَعلن السلطانُ عبد الحميد المشروطية مرتين، مرة عند بداية حكمه وهي المشروطية الأولى في ١٩ مارت ١٨٧٧م. ثم جمدها بعد هزيمة الدولة العثمانية في حربها مع روسيا، وبعد أن رأى أن أعداء الدولة العثمانية قد استغلوا البرلمان لتمزيقها وجرّها إلى الدمار. ثم عاد بعد أكثر من ثلاثين سنة إلى إعلانها مرة أخرى وهي المشروطية الثانية، واستمرت حتى معاهدة موندروس في ٣٠/ ١٠/ ١٩١٨م.
كانت وجهات نظر الناس عامة والمثقفين خاصة متباينة حول «المشروطية»، إذ بدأت الفئـات المختلفة تفسّر «الحرية» بالشكل الذي يروق لها، فبينما اندفعت فئة في تأييد المشروطية ومناصرتها بشدةٍ بغيةَ جرّها لأغراض سياسية واجتماعية وصـولاً إلى مآربهم في تقويض الدولة العثمانية، إذا بآخريـن يتوجسون خيفةً من هذا الانقلاب الـذي حـدث في نـظـام الدولة، وفي الـوقـت نفسـه وقـف آخـرون مبهوتـيـن لا يـتـقدمـون خطوة ولا يتـأخرون، بينما صفق لها غيرهم من المفتونين بحضارة أوروبا المبهورين ببريقها.. وهكذا اختلفت الآراء..
أما بديع الزمان سعيد النورسي فقد سلك مسلك الاعتدال، مسترشداً بالنهج الإسلامي السالم من التعصب الذميم الذي يعيق كل تجدد، والمبرأِ عن اللهاث وراء الغرب وتقليده تقليداً أعمى. فناصر مفهوم «الحرية» و«الشورى» ضمن ما هو واضح في الإسلام، ودافع عن «المشروطية» المحددة بحدود الشرع، فكتب مقالات عديدة في الصحف المحلية آنذاك، وألقى كثيراً من الخطب في الاجتماعات التي عقدت في الميادين العامة والجوامع، مبيِّناً مفهوم الحرية والشورى في ضوء الإسلام، ومحذِّراً من التعصب المقيت والتقليد المشين، إذ شعر بمحاولات خبيثة تعمل في الخفاء لاستغلال «المشروطية» وتوجيهها لمصلحةِ مغرضين مناهضين
