مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 63 من 304
٦٣

نعم، كما أن جمعَ نفراتِ عسكرِ فرقةٍ أُذِنَ لهم بالاستراحة والانتشار إذا دُعوا بالآلة المعروفة -يتسللون عن كل طرَف ومكمَن، فيجتمعون متّحدين تحت لوائهم- يكون أسهلَ وأسهلَ من جلبهم أول الأمر إلى الانتظام تحت السلاح؛ كذلك إن جمعَ الذرات التي حصَلت بينها المؤانسةُ والمناسبة بالامتزاج في وجودٍ واحدٍ إذا نوديتْ بصُور إسرافيل فينساب الكلُّ من كل فجٍّ عميق مُلبِّيةً لأمر خالقها، يكون أسهلَ وأمكن في العقل من إنشائها وتركيبها أول المرة.

أما بالنسبة إلى القدرة فأعظمُ الأشياء كأصغرِها.

ثم الظاهر أن المُعاد يُعاد بأجزائه الأصلية والفضولية معاً. كما يشير إليه كبرُ أجسام أهل الحشر [^42] وكراهةُ قصّ الأظفار والأشعار ونحوها للجُنُب، وسُنِّـيَّةُ دفنِها. [^43] والتحقيق أن عَجب الذَّنَب يكفي أن يكون بذراً ومادةً لتشكّله. [^44]

[^42]: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ضرس الكافر -أو ناب الكافر- مثل أُحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث». رواه مسلم (٤/٢١٨٩).

[^43]: «ادفنوا ماءكم وأشعاركم وأظفاركم، لا تلعب بها السحرة» مسند الفردوس ١/١.٢. وانظر الفتح الكبير ٢/٣٧٥ وكنز العمال ١٧٢٤٥ وجمع الجوامع رقم ٨٨٥.

[^44]: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كل ابن آدم يأكله التراب إلّا عجب الذنب، منه خُلق ومنه يركّب». رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه. والعجب: أصل الذنب.

وأما الدليل الذي لوّح به: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَب۪يدِ ﴾ : فاعلم أنّا كثيراً ما نرى الظالمَ الفاجر الغدّار في غاية التنعّم، ويمرّ عمُره في غاية الطيب والراحة، ثم نرى المظلومَ الفقير المتديّن الحَسَنَ الخُلقِ ينقضي عمرُه في غاية الزحمة [^45]والذلّةِ والمظلومية، ثم يجيء الموتُ فيساوي بينهما. وهذه المساواةُ بلا نهايةٍ تُرى ظُلماً. والعدالةُ والحكمة الإلهيتان اللتان شهِدت عليهما الكائناتُ منـزّهتان عن الظلم؛ فلابد من مجمَعٍ آخر ليرى الأولُ جزاءَه والثاني ثوابَه فيتجلى العدالةُ الإلهية.

[^45]: التعب والمشقة والضيق.

وقِس على هاتين الآيتين نظائرهما. هذا..

أما وجهُ النظم في أجزاء ﴿ وَبِالْاٰخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ فاعلم أن مناط النكت: «الواو»، ثم تقديمُ ﴿ بِالآخِرَةِ ﴾ ثم الألف واللام فيها، ثم التعبير بهذا العنوان، ثم ذِكر ﴿ هُمْ ﴾ ، ثم ذِكر ﴿  يُوقِنُونَ ﴾ بدلَ «يؤمنون».

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.