ثم إن من شروطِ أن تقع الصدقة موقعها اللائق: أن لا يُسرف المتصدق فيقعُد ملوماً.. وأن لا يأخذ من هذا ويعطيَ لذاك؛ بل من مال نفسه.. وأن لا يمنّ فيستكثر.. وأن لا يخاف من الفقر.. وأن لا يقتصر على المال، بل بالعلم والفكر والفعل أيضاً.. وأن لا يصرف الآخذُ في السفاهة، بل في النفقة والحاجة الضرورية.
فلإِحسان هذه النُكت، وإحساس هذه الشروط تصدَّق القرآنُ على الأفهام بإيثارِ ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ على «يتصدقون» أو «يزكّون» وغيرهما؛ إذ أشار بـ «من» التبعيض إلى ردِّ الإسراف.. وبتقديم ﴿ مِمَّا ﴾ إلى كونه من مال نفسه.. وبـ ﴿ رَزَقْنَا ﴾ إلى قطع المنّة. أي إن الله هو المعطي وأنت واسطة.. وبالإسناد إلى «نا» إلى: «لَاتَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إقْلَالاً».. [^25] وبالإطلاق إلى تعميم التصدق للعلم والفكر وغيرهما. وبمادة ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ إلى شرط صرف الآخذ في النفقة والحاجات الضرورية.
[^25]: أصل الحديث: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: دخل النبي ﷺ على بلال وعنده صُبرة من تمر، فقال: «ما هذا يا بلال؟» قال: اُعدُّ ذلك لأضيافك. قال: «أما تخشى أن يكون لك دُخان في نار جهنم؟! أنفق بلال! ولا تخشَ من ذي العرش اقلالاً». قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه البزار باسناد حسن والطبراني في الكبير وذكر فيه زيادة. والحديث أورده الهيثمي في المجمع وقال: إسناده حسن، وحسّنه الحافظ ابن حجر. والحديث صحيح بطرقه (صحيح الجامع الصغير رقم ١٥.٨ وصحيح الترغيب برقم ٩١٢، والمشكاة برقم ١٨٨٥) ومع هذا ضعفه العراقي رحمه الله تعالى.
ثم إن في الحديث الصحيح: «الزَّكاةُ قَنْطَرَةُ الإسلام» [^26]أي الزكاة جسر يغيث المسلمُ أخاه المسلمَ بالعبور عليها؛ إذ هي الواسطةُ للتعاون المأمور به، بل هي الصراط في نظام الهيئة الاجتماعية لنوع البشر، وهي الرابطةُ لجريان مادة الحياة بينهم، بل هي الترياقُ للسموم الواقعة في ترقيات البشر.
[^26]: أورده الهيثمي في المجمع (٣/٦٢) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون إلّا «بقية مدلس» وهو ثقة، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (١/٥١٧) وقال: رواه الطبراني... وفيه ابن لهيعة، والبيهقي وفيه بقية بن الوليد. والحديث ضعفه محقق الجامع الصغير برقم ٣١٩١ في ضعيف الجامع الصغير.
نعم، في «وجوب الزكاة» و«حُرمةِ الربا» حكمةٌ عظيمة، ومصلحة عالية، ورحمة واسعة؛ إذ لو أمعنتَ النظر في صحيفة العالم نظراً تاريخياً وتأملتَ في مساوي جمعية البشر لرأيت أُسَّ أساس جميع اختلالاتها وفسادها، ومنبعَ كلِّ الأخلاق الرذيلة في الهيئة الاجتماعية كلمتين فقط:
إحداهـما: «إنْ شَبِعْتُ فلا عليَّ أن يموتَ غيرِي من الجُوعِ».
