مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 206 من 304
٢٠٦

وأن تخصيص ﴿ بَعُوضَةً ﴾ إشارةٌ إلى كثرة استعمال البلغاء للتمثيل بها، كقولهم: «أضعفُ من البعوضة» [^190] و«أشدُّ عناداً من البعوضة» و«كلفتني مخَّ البعوضة» [^191] و«أعزُّ من مخ البعوضة» [^192] و«قالت البعوضة للنخلة استمسكي أنا أطير» [^193] و«الدنيا لا توزن عند الله جناح بعوضة» [^194]وقس.. وفي الإشارة رمز إلى ضعف وَهمهم.. وأن المعنيّ بـ ﴿ مَا فَوْقَهَا ﴾ ما دونها في الصغر وما فوقها في قيمة البلاغة أو في الصغر أيضاً، فالتعبير بـ ﴿ مَا فَوْقَهَا ﴾ إشارة إلى أن الصغير أغربُ بلاغةً وأعجب خِلقةً.

[^190]: جمهرة الأمثال للعسكري ٢/٣.؛ مجمع الأمثال للميداني ١/١٨٨.

[^191]: من أمثال العرب: كلفتني مخ البعوضة؛ أي كلفتني ما لا أطيق ولا يوجد ولا يكون؛ ولم يذكر ذلك أحد من الشعراء إلا ابن أحمر، حيث قال: كلفتني مخ البعوض فقد أقصرت لا نجح ولا عذر. (ثمار القلوب، للثعالبي ص١٥٢).

[^192]: جمهرة الأمثال للعسكري ٢/٣٣.

[^193]: الرسائل للجاحظ ص١٤٧.

[^194]: نص الحديث الشريف»: لو كانت الدنيا تعدِل عند الله جناح بعوضةٍ ما شَرب الكافرُ منها جُرعة ماء«. (البخاري، تفسير سورة الكهف ٦؛ مسلم، المنافقون ١٨، الزهد).

واعلم أن الهيئات كخيوط الحرير؛ باجتماعها يظهر النقشُ الحسَن.

وأما هيئات جملةِ ﴿ فَاَمَّا الَّذ۪ينَ اٰمَنُوا فَيَعْلَمُونَ اَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْۚ وَاَمَّا الَّذ۪ينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَٓا اَرَادَ اللّٰهُ بِهٰذَا مَثَلًا ﴾ :

فاعلم أن «الفاء» للتفريع، والتفريع إشارة إلى دليل ضمني ينتج هذه الجملةَ ذات الشقين: أي لا يترك التمثيل لأن البلاغة تقتضيه؛ فمن أنصف يعرف أنه بليغ وحق وكلام الله تعالى. ومن نظر بالعناد لا يعلم الحكمة، فيتردد، فيسأل، فينكر، فيستحقر... فأنتج: إن المؤمن -لأنه منصف- يصدِّق أنه كلام الله، والكافر -لأنه معاند- يقول: ما الفائدة فيه؟

وأن ﴿ اَمَّا ﴾ فلأنها شرطية لزومية في الوضع إشارة إلى أن الخبر لازم للمبتدأ وضروريّ له، يعني من شأن المبتدأ هذا الخبر.

وأن إيراد ﴿ الَّذ۪ينَ اٰمَنُوا ﴾ بدل «المؤمنين» إشارة إلى التنصيص على أن الإيمان هو سبب العلم بحقيته، وأن العلم بحقّيته إيمان. [^195]

[^195]: الظاهر أن ههنا حذفاً من نسيان النساخ - كما أنه نسي تحليل ﴿ مَاذَٓا اَرَادَ اللّٰهُ بِهٰذَا مَثَلًا ﴾ برمته -مع الأسف- يُعلَم من عدم ارتباط الكلام، ومِن فقْدِ كلمةِ ﴿ فَيَعْلَمُونَ ﴾ ومن عديله ﴿ الَّذ۪ينَ كَفَرُوا ﴾ مع الإحالة هناك على ما هنا. فأقول بدلاً عن المؤلف على نسق ما يأتي، فإن حلّ محله فبها وإلّا فعليّ: إن إيراد ﴿ الَّذ۪ينَ اٰمَنُوا ﴾ بدل «المؤمنين» الأوجزِ إيماءٌ إلى أن إنصافهم يجيء من الإيمان، ويذهب إلى الإيمان.. وأن إيثار ﴿ فَيَعْلَمُونَ ﴾ على «فيقولون» الأنسبِ بما يأتي إشارة إلى التنصيص على أن الإيمان هو سبب العلم بحقيته، وأن العلم بحقيته إيمان (ش).

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.