مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 393 من 440
٣٩٣

المثال الثاني: الجزئي والأنموذج المصغر جدا: هو الكهرباء. فبعد أن خبر أحدهم المصباح الكهربائي ودقق فيه النظر، رأى أن الذرات والمواد الموجودة في مئات المفاتيح الكهربائية وأسلاكها ومراكزها، جامدة لا تملك شعورا، ولا حركة ذاتية. ومع هذا تمحو ظلمات كانت تشغل عشرات الكيلومترات، بعد أقل من تماس بسيط، ويملأ مكانها نوراً في أقل من نصف ثانيه! فذهاب هذه الظلمات المشــاهدة فجأة ومجيء نور مشاهَد بقدرها بدلا منها لاشك أنـه ليس خيالا، فأما أن التماس الحاصل في تلك الذرات الجامدة الفاقدة للشعور يحمل قوة لا حد لها ونورا لا منتهى له بحيث تتمكن تلك الذرات من أن تمد يدها إلى مئات الكيلومترات، فتزيلَ منها الظلام وتملأَه بالنـور.. وهذا محال لا يمكن أن يقنع به حتى السوفسطائي ولو حاولت معه الشــياطين جميعا والملحدون والماديـون قاطبة.. [^21] أو حصل ذلك بقدرة القدير المطلق، علام الغيوب، وبحكمة العليم النافذ حكمه في الكون كله، فتستفيض الأنوار من اسمه «النور» فهو «نور النور، وخالق النور، ومدبر النور».

[^21]:إنه لأجل الخداع والتمويه ليس إلّا يضعون اسماً على بعض الحقائق العظيمة الجليلة، وكأن تلك الحقيقة قد عُلمت وفهمت، فيجعلونها أمراً عاديا مألوفا. فمثلا: إن قولهم: «هذا ما يسمى بقوة الكهرباء» يُبدون به إظهار تلك الحقيقة العظيمة والدقيقة أمرا عادياً مألوفاً، علما أنه قد لا تكفي صفحات لبيان حكم تلك المعجزة البديعة للقدرة الإلهية. لذا فبمجرد وضع اسم وإطلاق عنوان على تلك الحقيقة تُستر حِكَمها الكلية وتختفي ماهيتها وعظمتها، وتغدو من الأمور العادية. وقد يقيمون مكان تلك الحقيقة العظيمة أحد مظاهرها البسيطة، وعندها يسندون ذلك الأثر البديع إلى قوة عمياء ومصادفة عشواء، وطبيعة موهومة، فيتردون في هاويةِ جهلٍ أجهلَ من أبي جهل. إن القوانين سنن الله الجارية في الكون والتي هي عناوين لنواميس الإرادة الإلهية، قد أَطلق البشرُ على إحدى تلك القوانين اسم «الكهرباء»، وذلك لعجزه عن إدراك ماهيتها، فجعل بهذا الإطلاق ما في التنوير من معجزة قدرة خارقة أمرا عاديا بسيطا وكأنه شيء معلوم لدى الجميع. وهكذا يجعلون أمثال هذه المعجزات البديعة للقدرة الإلهية أموراً عادية مألوفة بمجرد إطلاق اسم عليها كقوة الكهرباء.(المؤلف)

وعلى غرار هذين المثالين هناك ما لا يحد من الأمثلة والنماذج.

وهكذا فكما تُقدِّم الكائناتُ جميعَ ما فيها من أنوار، وحسن وجمال، وطيبات، وكلمات طيبة، وخيرات وكمالات إلى الذات الجليلة بلسان حال عنصر النور بـ: «الطيبات لله» فإن نتيجة خلق الكائنات وسببَ خلق الكون ﷺ قد قال أيضا بذلك المعنى الكلي في ليلة المعراج: «الطيبات لله» باسم جميع موجودات الكون التي بعث إليه.

فالرسول الأعظم ﷺ بعد أن قال هذه الكلمات الجميلة الأربع -بعدد ذرات الأنام-

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.