الأعباءَ كافة فشقّت طريقَها سابقةً الجميعَ في طريق الإيمان. لذا، لا يمكن أن تُسنَد هذه الرسائلُ إلى رجل عاجز نصف أمّي قضى حياته بين المنفى والسجن وتحت رقابة سلطات الدولة، وقيامُها بتنفير الناس من حوله بالدعايات المغرضة. فمثل هذا الرجل لا يمكن أن يكون مالكا لها. ولا يمكن أن يفتخر بها أو يدّعيها، فهي ليست نابعةً من ذكائه ومهارته، بل هي معجزةٌ من معجزات القرآن الكريم لهذا الزمن وهبَتها الرحمةُ الإلهية. وكل ما في الأمر أن هذا الرجل وآلافا من أصدقائه قد مدّوا أيديهم إلى تلك الهدية الغالية النفيسة، فوقع الخيار عليه في بيانها.
والدليل على أن الرسائل ليست من بنات أفكاره أن هناك من الرسائل ما قد كُتبت في ست ساعات وأخرى في ساعتين، وبعضها في ساعة واحدة وأخرى في عشر دقائق.
فأنا أقسم أنه لو كان لي حدّة ذكاء سعيد القديم وقوة حافظته لَمَا تمكنتُ أن أكتب في عشر ساعات ما كُتب آنذاك في عشر دقائق ولا يمكنني أن أكتب في يومين ما كُتب في ساعة.
فالرسالة التي تبحث في ماهية «أنا» (الذات الإنسانية) والتي كُتبت في ست ساعات لا يمكن أن تُكتب لا من قِبَلي ولا من قبل الفلاسفة والعباقرة الباحثين، في ستة أيام. وهكذا.
فنحن إذن مع أننا مفلسون ليس لنا شيء. إلّا أننا أصبحنا خدّاما ودلالين في معرض أغلى المجوهرات.
نسأل المولى الكريم أن يوفقنا وجميع طلاب رسائل النور -بفضله وكرمه- في هذه الخدمة بإخلاص تام. آمين. ∗ ∗ ∗
► (٦١) ◄
بيان موجز لإعجاز القرآن [^18]
[^18]:ملاحظة المترجم: وضع الأستاذ النورسي ضمن ملحق قسطموني ثلاث قطع من رسالة «اللوامع» وهي: «كل الآلام في الضلالة»، و«بيان موجز لإعجاز القرآن»، و«برهانان عظيمان للتوحيد» وذلك حسب قاعدته المذكورة في خاتمة رسالةِ «قطرة من بحر التوحيد» من المثنوي العربي النوري، حيث يقول: «لأني أرى القرآن منبع كل الفيوض، وما في آثاري من محاسن الحقائق ما هو إلّا من فيض القرآن، فلهذا لا يرضى قلبي أن يخلو أثر من آثاري من ذكر نُبَذٍ من مزايا إعجاز القرآن». ولما كانت رسالة «اللوامع» قد نُشرت ملحقة بمجموعة «الكلمات» نكتفي هنا بإدراج إحدى تلك القطع الثلاث وهي: «بيان موجز لإعجاز القرآن». ومن شاء فليراجع القطعتين الأخريين في «اللوامع».
رأيت في الماضي فيما يرى النائم: أنني تحت جبل «آرارات». انفلق الجبل على حين غرة، وقذف صخورا بضخامة الجبال إلى أنحاء العالم، فهزّ العالم وتزلزل.
