وهكذا ذُكرت إشارة مختصرة إلى ما تلقاه هذا السائح المتلهف من درس المعرفة من عالم الغيب في المرتبة الرابعة عشرة والخامسة عشرة من المقام الأول:
[لا إله إلّا الله الواجب الوجود الواحد الأحد الذي دلّ على وجوب وجوده فـي وحدته إجماعُ جميع الوحيات الحقة المتضمنة للتنـزلات الإلهية، وللمكالمات السـبحانية، وللتعرفات الربانية، وللمقابلات الرحمانية، عند مناجاة عباده، وللإشعارات الصمدانية لوجوده لمخلوقاته.. وكذا دلّ علـى وجوب وجوده في وحدته اتفاقُ الإلهامات الصادقة المتضمنة للتوددات الإلهية، وللإجابات الرحمانية لدعوات مخلوقاته، وللإمدادات الربانية لاسـتغاثات عباده، وللإحساسات السبحانية لوجوده لمصنوعاته].
المرتبة ١٦ : دلالة فخر العالم وشرف نوع البشر، محمد ﷺ - ١٥
ثم خاطب ذلك السائحُ في الدنيا عقلَه قائلاً: ما دمتُ أبحث عن مالكي وخالقي باستنطاق موجودات الكون هذا. فمن الأولى لي أن أزور مَن هو أكملُ إنسان في الوجود، وأعظمُ من يقود إلى الخير -حتى بتصديق أعدائه- وأعلاهم صيتاً وأصدقُهم حديثاً وأسماهم منـزلةً وأنورُهم عقلا، ألا وهو محمد ﷺ الذي أضاء بفضائله وبقرآنه أربعةَ عشر قرناً من الزمان.. ولأجل أن أحظى بزيارته الكريمة وأستفسرُ منه عما أبحثُ عنه، ينبغي أن نذهب معاً إلى خير القرون إلى عصر السعادة.. عصر النبوة... فدخل بعَقله إلى ذلك العصر فرأى أن ذلك العصر قد صار به ﷺ عصرَ سعادةٍ للبشرية حقاً. لأنه ﷺ قد حوّل في زمن يسير بالنور الذي أتى به قوماً غارقين في أشدِّ أمّية، وأعرقِ بداوةٍ حوّلَهم إلى أساتذةِ العالَم وسادتِه.
وكذا خاطب عقلَه قائلاً: «علينا قبل كل شيء أن نعرف شيئاً عن عظمة هذه الذات المعجزة، وذلك من أحقّية أحاديثِه، وصِدق أخباره. ثم نستفسر منه عن خالقنا سبحانه».. فباشر بالبحث. فوجَد على صِدق نبوته من الأدلة القاطعة الثابتة ما لا يُعد ولا يحصى، ولكنه خلُص إلى تسع منها:
أولها: هو اتّصافُه ﷺ بجميع السجايا الفاضلة والخصال الحميدة، حتى شهد بذلك غرماؤه.. وظهورُ مئات المعجزات منه؛ كانشقاق القمر الذي انشقّ إلى نصفين بإشارة من إصبعه كما نصَّ عليه القرآن: ﴿ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ (القمر:١).. وانهزامُ جيش الأعداء بما دخل أعيُنَهم جميعاً من التراب القليل الذي رماه عليهم بقبضته، كما نصت عليه الآية الكريمة:
