
يواجه العالم الإسلامي مشكلة الواقع السياسي المتأزم، وخاصة إندونيسيا، إنها أزمة عميقة في الممارسة السياسية، حيث تسود النزعات المادية والبراغماتية، ويتراجع الاعتبار الأخلاقي والروحي. هذا الواقع أدى إلى انهيار الثقة العامة، وتفشي الفساد، وتحول السياسة إلى "شجرة الزقوم" كما وصفها النورسي – وهي سياسة تقوم على القوة والغلبة، وتقدس مبدأ "الحق للقوي"، مما ينتج ظلماً واستبداداً ويبعد الإنسان عن سواء السبيل. لقد أصبحت السياسة المعاصرة، في كثير من نماذجها، "وحشاً رهيباً" – كما عبّر النورسي – يركز على المصالح الضيقة ويتجاهل المقاصد السامية للعدالة والرحمة.
كان فكر سعيد النورسي: بديلا روحيا أخلاقيا جذريا في مواجهة هذا الواقع المأزوم، يقدم فكر بديع الزمان سعيد النورسي مشروعاً إصلاحياً شاملاً. لم يرفض النورسي السياسة مطلقاً، بل رفض "السياسة الحاضرة" المنحرفة عن أخلاق الوحي. لقد قدم رؤيةً تحول السياسة من "لعبة قوة" إلى "خدمة إيمانية وأخلاقية". مفهومه للعدالة ليس قانونياً شكلياً فحسب، بل هو عدالة متجذرة في الإيمان وتصديق القلب. إن دعوته للعودة إلى "خدمة القرآن والإيمان" كبديل عن معارك السياسة الفاسدة، ليست هروبية، بل هي محاولة لبناء أسس روحية وأخلاقية صلبة لأي عمل سياسي حقيقي. يشكل فكره، ممثلاً في "رسائل النور"، نظاماً قيمياً يمكن أن يعيد تعريف غاية الحكم ووسائله، ويصحح الانحراف التاريخي الذي جعل السياسة قرينة للشيطان في نظر الكثيرين.

أجرى فريق بحثي مكوّن من الدكتورة نبيلة حورعين، والدكتور محمد عصام الدين، والدكتور أحمد ريزا هوتاما، دراسة بعنوان: "إعادة بناء مبادئ السياسة الإسلامية في فكر بديع الزمان سعيد النورسي لتأسيس حوكمة إدارية قائمة على الأخلاق الروحية". ويُقدّم هذا البحث إسهامًا مهمًا في تعميق الفهم لفكر بديع الزمان سعيد النورسي كأحد أعلام التراث الفكري الإسلامي، خاصة في مجال السياسة وأخلاقيات الحكم. يقوم هذا البحث بدور حيوي في استخراج كنوز هذا التراث الفكري وتقديمه بصيغة أكادمية معاصرة. من خلال منهجية تحليلية نقدية، لا يقتصر الفريق على شرح فكر النورسي، بل يقوم بإعادة بنائه لاستنباط نموذج عملي "لحوكمة أخلاقية". هذا الجهد ليس ترجمة حرفية، بل هو توطين فكري يربط مبادئ النورسي بالتحديات الملموسة لنظام الحكم في إندونيسيا، أكبر دولة مسلمة ديمقراطية في العالم.
هذا البحث ذو إلحاحية قصوى لعدة أسباب؛ الأول، لإندونيسيا: تقديم إطار قيمي أصيل يعزز جودة الديمقراطية ويقاوم الفساد ويرسخ الحكم الرشيد، مما يدعم مسيرة البلاد كدولة رائدة في العالم الإسلامي. الثاني، للعالم الإسلامي: تقديم نموذج إصلاحي "سلمي وروحي" كبديل عن الخطابات السياسية المتطرفة أو العلمانية المتطرفة، والمساهمة في حل أزمة الشرعية الأخلاقية التي تعاني منها العديد من الأنظمة. الثالث، لدراسات النورسي: الانتقال بدراسة تراث النورسي من دائرة الدراسات الكلامية والصوفية التقليدية إلى فضاء العلوم السياسية التطبيقية والفكر الحضاري، مما يفتح آفاقاً جديدة للباحثين.
تميز البحث وتأثيره تميز هذا البحث بدعم حكومي إندونيسي من خلال حصوله على تمويل تنافسي من وزارة التعليم الجامعي والعلوم والتكنولوجيا لمدة عام واحد، مما يعكس إدراك الحكومة لأهميته الإستراتيجية في بناء نموذج الحكم. كما أن الشكل المتقدم للبحث يتجلى في الشراكة التنفيذية مع مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم في تركيا، عبر "برنامج التبادل الدولي: استكشاف رسائل النور والزيارة الثقافية". هذه الشراكة لا تضمن الوصول للمصادر الأولية فحسب، بل تخلق جسراً حقيقياً بين المؤسسات الأكاديمية في إندونيسيا ومركز إشعاع فكر النورسي في تركيا، مما يرفع من مستوى الإنتاج العلمي وضمان انتشاره الدولي.
محتوى ذو صلة
قمة TPSS 2026: أبرز الأفكار المستفادة من محاضرة الدكتور عمر سليمان
اليوم، في فندق رينيسانس بولات بإسطنبول، وضمن قمة TPSS 2026، ألقى العالم والأكاديمي الفلسطيني الأمريكي المعروف عالميًا الدكتور عمر سليمان محاضرة بعنوان "ما هي القيادة النبوية والاستراتيجية النبوية؟".




