مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 96 من 151
٩٦

المحبوب أو المشبعة بمحاسن غيرها، فتهاجم معاً وتنطلق من تلك الخيالات إلى اللسان وتستردف ميل زلال الوصال، وتضع على يمينها آلام الفراق، وتضع في يسارها التعظيم والتأدب والاشتياق، وتضع أمامها محاسن المحبوب المقتضي للعطف والترحم، فتنشر تحية ثنائها، وتنظم قلائد مدحها، المتجلية من الكل بوصف الفضائل المستجلِب لزلال الوصال، المطفِئ للنار الموقدة على الأفئدة. فانظر كم من المعاني ترفع رأسها من غير الطبقات التي تعرفها.

فإن لم تخف فانظر إلى وجدان كل من ابن الفارض وأبي الطيب المنبهر أكثر من عيونهما، وتأمل في ترجمان الوجدان في:

غرستُ باللحـظ ورداً فوق وجنتها       حقٌ لطرفيَ أن يجنِي الذي غرسا [^61]

[^61]:وفي رواية ديوان لابن الفارض: غرست باللحظ ورداً فوق وجنته... ص١٧٧ دار صادر، بيروت.

وأيضاً:

فللعين والأحشاء أول هل أتى       تلا عائدي الآسي وثالث تبت [^62]

[^62]:أول هل أتى: أراد به سورة من القرآن الكريم أولها (هل أتى...) تلا: من التلاوة، والقراءة. وثالث تبت: أراد بها ثالث لفظة من سورة (تبت يدا أبى لهب...) وهي: أبو لهب. يريد الشاعر: أنه أصبح كأنه لم يكن شيئاً مذكوراً، وصارت أحشاؤه تكنى بأبي لهب، لشدة اشتعالها بنار الوجد (ص٤٢ من الديوان).

وأيضاً:

صدٌّ حَمى ظمئي لُماكَ لماذا       وهواك قلبي صار منه جُذاذاً [^63]

[^63]:الصدّ: الإعراض. حمى: منع. لُماك: سمرةُ شفتيك. وهواك: أي قَسَماً بهواك. منه: أي من صدك. جذاذاً: قِطَعاً.

وأيضاً:

حشايَ على جَمر ذكيّ من الغضا       وعينايَ في روضٍ من الحُسن ترتعُ [^64]

[^64]:وفي رواية ديوان المتنبي: حشاي على جمر ذكيٍ من الهوى...

فشاهد واستمع كيف أن عيونهم تتجول في جنة وسعيرُ وجدانهم تُعذِّب.

ولقد بيّن الشعراء خيالات رقيقة جداً بالإشارة إلى محاسن المحبوب، وبالرمز إلى استغنائه، وبالإيماء إلى التألم من فراقه، وبالتصريح بالشوق إليه، وبالتلويح بطلب الوصال، وبالنص على الحسن الجالب للعطف.. مع ما يحرك الحسيات من أطوار.

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.