مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم
الصفحة 80 من 151
٨٠

وبناء على هذا فإن تفسير أو ترجمة الآيات والأحاديث لا يبينان حسن بلاغتهما. وكأن لديهم أن قرينة المجاز امتناع الحقيقة عقلاً.. بينما القرينة المانعة كما يمكن أن تكون عقلاً يمكن أن تكون حساً وعادةً ومقاماً وبأشياء أخرى.

فإن شئت فادخل من الباب الواحد والعشرين بعد المئتين من «دلائل الإعجاز» تلك الجنة الفردوس، ترَ أن ذلك الداهية عبد القاهر الجرجاني(∗) قد أخذ إلى جانبه أمثال هؤلاء المتعسفين يوبّخهم ويعنفهم.

البلاء السابع: هو حصرهم العَرَضَ [^46] كالحركة على الذاتي، [^47] والأينية [^48] مما نكّر المعرَّف ولزم إنكار الوصف الجاري على غير مَن هو له. وبهذا حادت شمس الحقيقة عن جريانها. أمَا نظر هؤلاء إلى أساليب العرب، كيف يقولون: صادفتنا الجبال، ثم فارقتنا.. تراءت لنا وبعُدَت عنا.. والبحر أيضاً ابتلع الشمس... الخ. وكم يقلبون الخيال لأسرار بيانية كما في المفتاح للسكاكي،(∗) وهذا لطافة بيانية مؤسسة على مغالطة وهمية، بسرّ الدوران. [^49]

[^46]:العرض: هو الذي لا يبقى زمانين أو ما له تحيّز تابع لمحل، كالحركة والسكون والحمرة والصفرة في وجه الإنسان مثلا.

[^47]:الذاتي: يراد به هنا ما له تحيّز مستقل بنفسه، أي يأخذ قدراً من الفراغ بنفسه.

[^48]:الأينية: يراد بها المكان والمحل، لأنه يُسأل عنه بـ«أين».

[^49]:لعله الدوران عند علماء الأصول، وهو: توقف المعلول على علته وجوداً وعدماً، أي كلما وجدت العلة وجد المعلول وكلما انعدمت انعدم، والله أعلم. (د. عبد الملك).

وسأبين هنا مثالين مهمين لينسج على منوالهما: ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَٓاءِ مِنْ جِبَالٍ ف۪يهَا مِنْ بَرَدٍ ﴾ (النور:٤٣) ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْر۪ي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ﴾ (يس:٣٨).

هاتان الآيتان الكريمتان جديرتان بالملاحظة والتدبر؛ لأن الجمود على الظاهر جحود بحق البلاغة، إذ الاستعارة البديعة في الآية الأولى تتوقد بحيث تذيب الجمود المتجمد، وتشق كالبرق ستار سحب الظاهر. أما البلاغة في الآية الثانية فهي مستقرة وقوية ولامعة بحيث تقف الشمس لمشاهدتها.

فالآية الأولى نظيرتها: ﴿ قَوَار۪يرَ مِنْ فِضَّةٍ ﴾ (الإنسان:١٦) التي تضمنت استعارةً بديعة مثلها، وذلك: كما أن أواني الجنة ليست زجاجاً فهي ليست فضة كذلك، بل مباينة الزجاج للفضة قرينة الاستعارة البديعة. أي إن الزجاج بشفافيته والفضة ببياضها ولمعانها كأنهما

4–6 أكتوبر 2026 · إسطنبول

المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان

لبرنامج المؤتمر والبحوث والتسجيل، تفضّلوا بزيارة موقع المؤتمر.